فلسطين أون لاين

فلسطين كانت حاضرة برؤيته ومسيرته

عامان على اغتيال " نصر الله".. قائدٌ دفع حياته ثمنًا لـ"إسناد غزة"

...
الأمين العام السابق لحزب الله الشهيد حسن نصر الله
غزة/ يحيى اليعقوبي:

قيادة حزب الله: تولى منصب الأمين العام عام 1992.

أبرز المحطات: قاد الحزب خلال الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 وحرب عام 2006.

إسناد غزة: أعلن في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 دخول حزب الله في «جبهة مساندة وإسناد لغزة».

الاغتيال: اغتيل في 27 سبتمبر/ أيلول 2024 بغارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت.

مدة القيادة: أكثر من ثلاثة عقود.

شكل صعود الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني الشهيد القائد حسن نصر الله منذ تسعينيات القرن الماضي محطة فارقة واستثنائية في تاريخ الصراع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، وترجمت مواقفه في الدفاع عن القضية الفلسطينية إلى خطوات عملية كان آخرها إسناد حزب الله للمقاومة في غزة خلال الإبادة الجماعية، التي دفع نصر الله نفسه ثمنها باغتياله، لتكون دماؤه شاهدة على صدق مواقفه.

وكانت فلسطين حاضرة في رؤيته ومسيرته وفي صلب المعركة، كبوصلة وأمانة حملها تجاه دعم القضية الفلسطينية، ولا سيما بعد أن أعادت طوفان الأقصى قضية فلسطين إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي، وحضرت القضية على سلم الأجندة الدولية بعدما أراد أن يطمسها الاحتلال.

وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أعلن نصر الله دخول حزب الله في المواجهة واصفا إياها بـ "جبهة مساندة وإسناد لغزة" لتشتيت قدرات جيش الاحتلال وإبعاده عن الاستفراد بالقطاع، وثبت معادلة حازمة كررها في معظم خطاباته بأن "جبهة الشمال لن تهدأ إلا بوقف العدوان على غزة" رافضا كل الضغوط الدبلوماسية الدولية لفصل المسارين، وأكد أن ما قامت به المقاومة في 7 أكتوبر "حق كامل ومشروع" واعتبر المواجهة في غزة معركة وجودية تاريخية ستغير وجه المنطقة، وأن هزيمة (إسرائيل) فيها سيترك آثارا إستراتيجية على مستقبل الاحتلال.

وصرح في أحد خطاباته بأن الدفاع عن الشعب الفلسطيني هو مقتضى إنسانية الإنسان وأن من يسكت أو يتفرج على الجرائم المرتكبة يجب أن يعيد النظر في  إنسانيته ودينه وشرفه، كما أكد مرارا أن حزب الله والبيئة الحاضنة له مستعدون لدفع أثمان باهظة من دماء قادتهم ومقاتليهم في سبيل نصرة غزة وهو المسار الذي استمر فيه حتى اغتياله في 27 سبتمبر/ أيلول 2024 في غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت.

وجاء اغتيال نصر الله بعد أكثر من ثلاثة عقود على توليه قيادة الحزب، إذ أصبح أمينه العام عام 1992، وقاد الحزب خلال محطات رئيسية، بينها الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 وحرب عام 2006، قبل أن يتحول حزب الله خلال السنوات اللاحقة إلى لاعب سياسي وعسكري رئيس في لبنان والمنطقة.

محطة فارقة

ورأى الخبير في الشؤون الاستراتيجية في لبنان طلال عتريسي أن صعود نصر الله منذ التسعينيات كان محطة فارقة واستثنائية في التأثير على قضية فلسطين، لأن مطلع التسعينيات شهد جهودًا إقليمية ودولية لطمس القضية الفلسطينية وإنهاء مشروع المقاومة، والترويج لـ"المحور الإبراهيمي"، بمعنى أن المشكلة ستحل من خلال لقاءات تجمع الأديان، وأنها ليست مشكلة احتلال فلسطين.

وقال عتريسي لصحيفة "فلسطين": "خلال هذه الفترة، أدى صعود نصر الله والصراع المباشر مع الاحتلال في جنوب لبنان، والانتصارات التي تحققت خلال مراحل المواجهة حتى التحرير عام 2000، دورًا في استبدال وعي الحل الإبراهيمي بوعي المقاومة. وبعد الانتصار عام 2000 اندلعت الانتفاضة الفلسطينية، وهذا يعني التأثير المترابط بين الإنجاز الذي تحقق في لبنان والإنجاز الذي تحقق في فلسطين.

وأضاف أن نصر الله أدى دورًا في نشر ثقافة أولوية القضية الفلسطينية ومركزيتها، لذلك كان الشعار "على طريق القدس"، والهدف هو القدس، والمعركة من أجل القدس، والتضحية من أجل القدس. وأسّس بذلك لوعي جديد بالنسبة لثقافة المقاومة في المنطقة، خصوصًا أن تأثيره أصبح أوسع من لبنان.

وتابع: أصبح حضوره وتأثيره وخطابه الفكري والثقافي يجد من يستمع إليه بقوة في لبنان والعالم العربي وفلسطين، وأصبح خطاب فلسطين والمقاومة هو الأقوى.

وبشأن قرار نصر الله بالانخراط في جبهة الإسناد بعد السابع من أكتوبر، أشار إلى أن نصر الله كان أمام خيار ليس سهلًا مع بداية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر وما نتج عنها من حرب إبادة ارتكبها الاحتلال. فكان الأمر صعبًا تجاه الالتزام الأخلاقي والإستراتيجي بقضية فلسطين ومساندة المقاومة، خصوصًا بعد السابع من أكتوبر الذي اعتبره الاحتلال معركة وجودية، مع عدم التماسك الداخلي في لبنان، وما سينتج عن هذا الموقف من تداعيات داخلية وإقليمية.

وأكد أن هذا الخيار يؤكد الترابط بين أطراف محور المقاومة، وكما قال نصر الله، إنه خيار "سيُسأل عنه يوم القيامة". وهذا بُعد إيماني وعقائدي مهم في شخصية نصر الله، إلى جانب البعد الأخلاقي والإنساني والاستراتيجي، ولذلك قدم التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا ودينيًا واستراتيجيًا بوقوفه إلى جانب المقاومة في فلسطين، فيما عُرف بجبهة الإسناد، التي انتهت باستشهاده، وقدم خلالها نموذجًا لا يستطيع أحد تجاهله.

"اغتيال نصر الله ترك فراغًا وخسارة كبيرين، بسبب رؤيته الإستراتيجية من جهة، وقدراته العملية وتجربته التي خاضها طوال ثلاثين سنة، من العمل كشخص عادي في المقاومة وصولًا إلى موقع القيادة والمسؤولية".

كما ترك نصر الله، وفق عتريسي، فراغًا كبيرًا؛ لأنه كما قال رئيس حكومة الاحتلال، كان "محور المحور"، وكان صاحب القرار الأساسي.

ويعتقد أن هناك في المنطقة شعورا بالفراغ، خصوصًا أن نصر الله أرسى ثقافة الشجاعة في مواجهة الاستكبار العالمي والاستعداد للتضحية، وكان يتحدث عن إمكانية أن يستشهد وتستشهد كل القيادة، ولكن هذا المشروع سيستمر، وكان يؤكد ثقافة الانتصار والتفاؤل.

أما عن شخصيته فقال: "كان للسيد شخصية خاصة تختلف عن بقية الأشخاص، وعُرف عنه الكثير من التواضع والعيش البسيط، والعلاقة الودية والأخوية مع كل الفريق الذي يعمل معه، إلى جانب قدرته على الحسم واتخاذ القرار والشجاعة، وفي الوقت نفسه امتلاكه رؤية إستراتيجية".

نهج ثابت

في حين أكد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني في لبنان حمزة بشتاوي، أن حضور نصر الله، شكل عنصرًا فاعلًا في مسيرة المقاومة والصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، فهو الذي رسخ، خلال قيادته للمقاومة في لبنان، آليات الدعم والتنسيق بين قوى المقاومة، في نهج واضح وثابت على صعيد المقاومة وفلسطين والقدس، وذلك امتدادًا لمسيرة المواجهة والصراع بين قوى المقاومة والاحتلال الإسرائيلي.

وقال بشتاوي لصحيفة "فلسطين": إن "نصر الله كان دائمًا يؤكد أهمية وجدوى خيار المقاومة والكفاح المسلح وتحرير الأرض واستعادة الحقوق في مواجهة الجرائم الإسرائيلية ضد فلسطين والمنطقة. وكان يرى أن واجب نصرة القدس وحماية المسجد الأقصى واجب ديني ومسؤولية إنسانية وأخلاقية في عنق كل حر وشريف من أبناء الأمة العربية والإسلامية وكل أحرار وشرفاء العالم.

وأضاف: "من هذه المنطلقات، تميزت مواقفه خلال الحرب بتجسيد الأقوال أفعالًا، من خلال عمليات الإسناد للمقاومة في غزة خلال العدوان وحرب الإبادة، وكانت مواقفه تترجم عبر الدعم العسكري واللوجستي، وتنطلق من الإيمان وواجب الدفاع عن الأرض والإنسان والمقدسات".

وحاولت أمريكا والاحتلال باغتياله، استمرار الإبادة بهدف تحقيق مشروع (إسرائيل) الكبرى وتغيير وجه المنطقة، لكن هذه التداعيات الكبرى تم التصدي لها من خلال التمسك بنهج نصر الله وأبناء المقاومة الذين أثبتوا قدرتهم على مواجهة التداعيات.

وقال بشتاوي: إن "شخصية نصر الله تركت أثرًا عميقًا في وجدان محبيه، بما حملته من صدقية اعترف بها الاحتلال، والإنسانية، واللغة القريبة من القلب، والثبات في المواقف، والقدرة على تحمل المسؤولية في أصعب الظروف، والتواضع واستحضار قيم الوفاء والصبر. وأصبحت كلماته جزءًا من ذاكرة الناس، ورفعوا في الذكرى الثانية لرحيله شعار "اشتقنا لك"، لأنهم يعدون أن القائد كان جزءًا من يومياتهم".