☰
✕

قائمة الموقع

الوسطاء أمام اختبار غزة.. خروقات متواصلة واتفاق لم يحمِ المدنيين

2026-09-29T11:04:00+03:00
الوسطاء أمام اختبار غزة.. خروقات متواصلة واتفاق لم يحمِ المدنيين
فلسطين أون لاين

حين دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في قطاع غزة في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 كان يفترض أن يوقف جرائم الاحتلال بحق أهالي القطاع، بما فيها القصف الجوي والمدفعي، وأن يمهد لانسحاب إسرائيلي، لكن الوقائع اللاحقة، بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة وتقارير الأمم المتحدة، أظهرت استمرار وقوع الضحايا الفلسطينيين، ما يبرز تساؤلا مشروعا عن دور الوسطاء في الضغط على الاحتلال للالتزام بوقف إطلاق النار.

وحتى 28 سبتمبر/أيلول الماضي، قالت وزارة الصحة في غزة إن عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار بلغ 1,421، إضافة إلى 4,983 مصاباً و834 حالة انتشال من تحت الأنقاض.

ونصت الخطة الأمريكية التي بُني عليها اتفاق وقف إطلاق النار وضمنتها مصر وقطر والولايات المتحدة، على أن "جميع العمليات العسكرية، بما يشمل القصف الجوي والمدفعي" تُعلّق، وأن تبقى خطوط القتال مجمّدة إلى أن تستوفي مراحل الانسحاب شروطها.

في المقابل، لم ينجح الوسطاء في تحويل صفة "الضامن" التي وردت في البيان الرسمي إلى آلية معلنة وفعالة تمنع تكرار الاعتداءات الإسرائيلية أو تفرض كلفة سياسية على الاحتلال لخرقه الاتفاق. فالبيانات الرسمية تحدثت عن آلية متابعة وفرق لرصد التنفيذ والإبلاغ عن الانتهاكات، لكنها لم تعلن أداة محددة تُفعّل تلقائياً عند وقوع الخرق. 

وهنا تتسع الفجوة بين وظيفة الوساطة، التي تقوم على التفاوض ونقل الرسائل، ووظيفة الضمان، التي يفترض أن تحمي الاتفاق عندما يرفض الاحتلال الالتزام به.

ولا تقتصر المشكلة على القصف وإطلاق النار. فقد شملت خروقات الاحتلال لهذا الاتفاق وضع القيود على المساعدات والوقود، وهدم ممتلكات واعتقالات ومنع مرضى وجرحى من السفر، لذلك باتت المطالبة الموجهة إلى الوسطاء لا تقتصر على استئناف التفاوض، بل تتعلق باستخدام نفوذهم السياسي والدبلوماسي للضغط العلني والمباشر من أجل وقف الاعتداءات وضمان تدفق المساعدات.

اتفاق لم يحمِ المدنيين

وقال المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة لصحيفة "فلسطين": إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في خرق اتفاق وقف إطلاق النار "يؤكد أن الاتفاق لم يتحول إلى حماية فعلية للمدنيين"، محملاً الوسطاء والمجتمع الدولي مسؤولية الضغط الفوري لإجبار الاحتلال على وقف اعتداءاته والالتزام الكامل ببنود الاتفاق.

وأضاف الثوابتة: "إن الاحتلال يتعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره نصاً انتقائياً يلتزم منه بما يخدم مصالحه، بينما يواصل القتل والقصف وإطلاق النار وهدم المنازل وفرض القيود على المساعدات والوقود والدواء. نحن أمام خروقات ممنهجة وليست حوادث منفردة، وأمام سياسة تهدف إلى إبقاء قطاع غزة في حالة موت بطيء حتى خلال فترة يفترض أنها مخصصة لوقف العمليات العسكرية".

وقال: "كل شهيد يرتقي خلال الهدنة هو دليل على أن الاحتلال لم يوقف حربه، بل أعاد تنظيم أدواتها. وكل مصاب لا يستطيع الوصول إلى العلاج، وكل مريض يُمنع من السفر، وكل عائلة تنتظر خيمة أو دواء أو ماء، يمثل خرقاً إضافياً للاتفاق وللقانون الدولي ولأبسط قواعد الإنسانية".

وتابع: "إن منع المساعدات ليس إجراءً إدارياً، بل جريمة تُستخدم فيها الحاجة الإنسانية سلاحاً ضد السكان. الاحتلال يمنع أو يقلص دخول الغذاء والوقود والدواء، ويعرقل عمل الدفاع المدني، ويمنع إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لانتشال الشهداء والبحث عن المفقودين. لا يمكن الحديث عن وقف إطلاق نار حقيقي بينما يبقى أكثر من مئات الآلاف من المدنيين تحت أنقاض منازلهم أو من دون مقومات الحياة".

وبشأن تمديد الاحتلال مساحة الخط الأصفر غرباً، طالب الثوابتة الوسطاء "بألا يسمحوا بتحويل الوقائع الميدانية إلى حدود جديدة تُفرض بالقوة، وألا يتحول الخط الأصفر إلى أداة لاقتطاع مزيد من أراضي غزة وتهجير سكانها."

وختم الثوابتة بالقول: "نطالب مصر وقطر والولايات المتحدة، بصفتها أطرافاً ضامنة للاتفاق، بالانتقال من بيانات القلق إلى الضغط الفعلي. المطلوب فتح المعابر، إدخال المساعدات والوقود والمعدات الطبية، وقف القتل، ضمان حماية المدنيين، والتحقيق في كل خرق. إن استمرار الصمت لا يعني الحياد؛ بل يمنح الاحتلال وقتاً إضافياً لتثبيت جرائمه وتحويلها إلى أمر واقع".

مسؤولية الوسطاء

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي أحمد رفيق عوض لصحيفة "فلسطين": إن أزمة الاتفاق "لا تبدأ من غياب الوسطاء، بل من غياب قدرتهم على تحويل الضمانات السياسية إلى التزام عملي. فالوسيط يستطيع أن يجمع الأطراف، ويقترح صيغاً وسطية، وينشئ غرف اتصال لمتابعة التنفيذ، لكنه يفقد فعاليته عندما لا يملك أو لا يستخدم أدوات الضغط التي تجعل خرق الاتفاق أكثر كلفة من احترامه".

وأضاف: "وبحسب هذا المنظور، فإن القول إن الوسطاء ضمنوا الاتفاق يحمّلهم مسؤولية إضافية، لأن الضمان لا يقتصر على مراقبة ما يحدث أو نقل الشكاوى بين الطرفين، بل يفترض التدخل" عند خرقه.

وأوضح عوض أن الخلل يظهر خصوصاً عندما تُترك البنود لتفسير (إسرائيل) وحدها، بينما تقبل الإدارة الأمريكية التبريرات الإسرائيلية بشأن العمليات أو حدود الانسحاب "عندها يتحول الاتفاق من نص مشترك إلى مجموعة قراءات منفردة، ويصبح الطرف الأقوى قادراً على فرض الوقائع قبل أن يصل الوسطاء إلى موقف موحد".

وشدد على أن الضغط المطلوب من الوسطاء "لا يعني فقط إصدار بيانات القلق، بل تحديد خروقات واضحة، ونشر نتائج آلية المتابعة، وربط استمرار الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي باحترام وقف النار، وضمان وصول المساعدات وحرية عمل الطواقم الطبية والدفاع المدني".

وتابع: "استمرار القتل، وتقييد المساعدات، وتضارب الخرائط والعلامات حول الخط الأصفر، ثم غياب حصيلة موحدة وعلنية للخروقات، كلها مؤشرات على أن المتابعة وحدها لم تكن كافية. والمطلوب من الوسطاء، وفق ما تفرضه مسؤوليتهم السياسية المعلنة، هو الضغط من أجل وقف فوري للاعتداءات، وتحديد آلية تحقيق مستقلة في كل خرق، وإعلان نتائجها للرأي العام، وضمان دخول الغذاء والوقود والدواء والمعدات الثقيلة، ومنع تحويل الخط الأصفر إلى واقع متحرك يفرضه الطرف الأقوى بالقوة".

اخبار ذات صلة