بين خيام النزوح في مواصي خانيونس، حيث تثقل الحرب كاهل العائلات بالفقد والخوف والحرمان، وقفت غيداء عماد شيخ العيد في حفل لتكريم حفظة القرآن الكريم، تحمل في قلبها قصة والدٍ غاب شهيدًا، ومصحفٍ تركه خلفه، ونجاحٍ أرادت أن تهديه لروح أبيها ولأمها التي بقيت سندًا لها.
لم يكن صعود غيداء إلى منصة التكريم احتفالًا بنجاح عابر؛ فقد أتمت حفظ القرآن الكريم كاملًا في ظروف قاسية، وهي تتمسك بمصحف والدها الشهيد الذي تركه لها ولأسرتها، لتواصل منه رحلة الحفظ والمراجعة، حتى اجتازت اختبار القرآن الكريم كاملًا بعد شهر من الاستعداد في «مخيم سراج القرآن».
تقول غيداء لصحيفة "فلسطين" إن ذلك الشهر لم يكن سهلًا، إذ قضته في المراجعة وسط أجواء النزوح والحر الشديد، وفي ظروف تفتقد فيها معظم لوازم الدراسة، لكنها أصرت على أن تجعل للقرآن مكانًا في حياتها على الرغم من كل ما يحيط بها من ألم.
وتستعيد غيداء في حديثها أمنية كانت ترافقها خلال رحلة الحفظ، وهي أن ترى والدها الشهيد حاضرًا يوم تكريمها.
تقول: "كنت أتمنى أن أرى أبي اليوم، والدي الشهيد، الذي أكملت الحفظ في المصحف الذي تركه لنا بعد استشهاده، تمنيت أن أرفع رأسي فأراه ينظر إليّ بعينين مبتسمتين، وأسمعه يقول: أنا فخور بكِ، لكنه لم يكن حاضرًا بيننا، فحملته معي في قلبي".
وبينما غاب الأب عن المشهد، بقي حضوره واضحًا في تفاصيل إنجاز ابنته، التي لم تكتفِ بحفظ كتاب الله، بل واصلت دراستها الثانوية العامة، متحدية ظروف الحرب والنزوح، حتى حصلت على معدل 99.4% في الفرع العلمي، لتجمع بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي.
وترى غيداء أن الحرب قد تحرم الإنسان من الأمان والاستقرار ومن أشخاص يحبهم، لكنها لا تستطيع انتزاع إيمانه وطموحه وإرادته، مؤكدة أن الظروف قد تؤخر الإنسان، لكنها لا تحدد إلى أين يمكن أن يصل.
وفي حفل تكريم حفظة القرآن في مواصي خانيونس، حضرت والدة غيداء إلى جانبها، لتشارك ابنتها لحظة طال انتظارها، وهناك، في مشهد اختلطت فيه مشاعر الفخر بالحزن، وضعت غيداء تاجًا من الورود على رأس والدتها، تكريمًا لها على وقوفها إلى جانبها ومساندتها خلال رحلة الحفظ والدراسة، وفي سنوات النزوح والخوف والفقد.
لم يكن التاج مجرد إكليل من الزهور، بل بدا وكأنه تتويج لأمٍ شاركت ابنتها الطريق خطوة بخطوة، وحملت معها أعباء الحرب والنزوح، حتى وصلت غيداء إلى منصة التكريم وهي تحمل إنجازين كبيرين: إتمام حفظ القرآن الكريم والتفوق في الثانوية العامة.
وفي الحفل، جرى التذكير بأن تكريم الأم التي تعين أبناءها على حفظ كتاب الله هو تكريم لمعنى أعظم من النجاح الدنيوي.
وبينما علت أصوات التكبير والفرح في حفل التكريم، ظل والد غيداء حاضرًا في الذاكرة، من خلال المصحف الذي تركه، والإنجاز الذي حققته ابنته، فيما وقفت الأم إلى جانبها، تتلقى تاج الورود من ابنتها.
هكذا تحولت لحظة التكريم في مواصي خانيونس إلى صورة تختصر حكاية أسرة فلسطينية أنهكها الفقد والنزوح، لكنها لم تتخلَّ عن أحلامها؛ أبٌ غاب شهيدًا، وأمٌ بقيت سندًا، وابنة حملت مصحف أبيها، وحفظت القرآن، وتفوقت، ثم وضعت تاجًا من الورود على رأس أمها، في لحظة تقول إن ما يُزرع بالصبر قد يزهر حتى في أقسى الظروف.