من بين أيدي عائلته إلى ثلاجة الموتى، ومن خيمة نازحة إلى مجمع ناصر الطبي، تتكرر في جنوب قطاع غزة مشاهد الفقد، بينما يقول سكان في مناطق قريبة من ما يسمى "الخط الأصفر" إن أصوات الرصاص القادمة من الجهة التي تتمركز فيها قوات الاحتلال الإسرائيلية باتت جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية، لتطال أشخاصاً داخل منازلهم وخيامهم، وتبقي العائلات في حالة خوف دائم من الخروج أو الحركة.
في وسط خان يونس، كان الفتى طارق كامل المصري، 17 عاماً، يسير قرب منزله صباح أول من أمس، حين أصيب بطلق ناري في رأسه، وفق إفادة ابن عمه معتز المصري.
أما في منطقة "فش فرش" شمالي مواصي رفح، فقد كان الطفل محمد سيف الدين الشخريت، 8 أعوام، يلعب أمام خيمة عائلته، مساء أول من أمس، قبل أن ينتهي يومه برصاصة، وفق ما أفاد أفراد من عائلته.
مشهدان يفصل بينهما المكان، لكن يجمعهما، بحسب ذويهما، الخوف من الرصاص الذي يقول السكان إنه يأتي من مواقع عسكرية إسرائيلية خلف ما يسمى "الخط الأصفر".
كانت عمة طارق، أم محمد المصري، تحاول استيعاب فقدان طفل عايشت تفاصيل حياته منذ ولادته.
قالت، وهي تودعه لصحيفة "فلسطين": «هو 17 سنة، أنا اللي سميته، وأنا اللي حضرت ولادته".
وحين سُئلت عن كيفية استشهاده، قالت إن الرصاصة أصابته في رأسه.

كما يؤكد ابن عمه معتز المصري أن طارق كان في منطقة تقع خارج ما يسمى "الخط الأصفر"، وإن إطلاق النار يستمر، على مدار اليوم، مضيفاً أن الفتى أصيب بطلق ناري مباشر في رأسه أثناء سيره في الشارع.
وأوضح لـ"فلسطين" أن السكان يجدون أنفسهم مضطرين للبقاء في المناطق المحاذية للخط، لعدم وجود أماكن أخرى يمكنهم اللجوء إليها، مشيراً إلى أن كثافة إطلاق النار تدفع بعض العائلات إلى مغادرة تلك المناطق، رغم ابتعادها، عن الأبراج العسكرية الإسرائيلية.
ولا يقتصر الخوف على سكان المنازل في وسط خان يونس. ففي خيام النازحين غرب المدينة، يروي سعيد الشخريت تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياة حفيده محمد سيف الدين، الذي نزحت عائلته من رفح إلى المواصي.
كان الطفل، وفق رواية جده، يلعب أمام الخيمة بعد عصر أول من أمس، حين سُمعت أصوات إطلاق نار. فرّ الطفل إلى داخل الخيمة، ثم صرخ وسقط في وسطها.
قال الجد لـ"فلسطين" إن الأسرة لم تلاحظ في البداية نزيفاً واضحاً، لكنها لاحظت تغير لون الطفل، فنقلته إلى الهلال الأحمر، حيث تبين وجود جسم غريب ومدخل إصابة ونزيف داخلي، قبل أن يفارق الحياة.
ومن أمام خيمة العائلة، نُقل جثمان محمد إلى مجمع ناصر الطبي، في مشهد أعاد إلى الأذهان مأساة الطفل الذي خرج ليلعب أمام خيمته، فعاد إليها جثة.
وقال جد الطفل الشخريتي، إن محمد "فقد طفولته في لحظات"، مضيفاً أن الطفل هرب نحو والدته، لكنه أصيب بالرصاص في ظهره أثناء محاولته الوصول إليها.
وأضاف أن العائلة فقدت أطفالاً خلال السنوات الماضية، وأن مشهد فقد محمد أعاد إليها الإحساس نفسه بالفقد والحسرة، قائلاً إن أحلام الأطفال وذكرياتهم وطفولتهم "هدمت في لحظات".
وتقول عائلات نازحة في المواصي إن وجود الخيام في مناطق مفتوحة لا يوفر حماية من إطلاق النار، وإن الحركة اليومية أصبحت محفوفة بالمخاطر، حتى في المهام الأساسية مثل جلب مياه الشرب أو الخروج من مكان الإقامة.
ويقول الشخريت إن عائلته، مثل غيرها من النازحين، لا ترى منطقة آمنة في القطاع، مشيراً إلى استمرار تحليق الطائرات والمسيّرات وسماع أصوات القصف وإطلاق النار.
وبالنسبة للعائلات التي تعيش بمحاذاة ما يسمى بـ"الخط الأصفر"، لا تبدو الخيام ملاذاً آمناً من الرصاص؛ فهي، كما يقول السكان، لا توفر سوى غطاء هش في مناطق مكشوفة، فيما يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة إليهم: إلى أين يمكن أن يذهبوا إذا كانت أماكن النزوح نفسها عرضة للخطر؟
ويقول معتز المصري إن الخوف لم يعد مرتبطاً بالاقتراب من مناطق الخط الأصفر فقط، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، مضيفاً أن العائلات باتت تخشى على نسائها وأطفالها، وتتردد في مغادرة أماكن إقامتها حتى للحصول على الاحتياجات الأساسية.
ويعكس استشهاد الفتى طارق والطفل محمد، وفق شهادات ذويهما، اتساع دائرة الخطر من محيط المواقع العسكرية إلى الشوارع والمنازل والخيام، في مناطق يقول سكانها إنهم لا يملكون خيارات كثيرة للابتعاد عنها.
وفي الوقت الذي تتداول فيه تصريحات عن التهدئة وتوقف الحرب، يقول سكان: إن "ما يعيشونه على الأرض مختلف؛ فبالنسبة إليهم، لا يعني انخفاض مستوى القصف بالضرورة توقف الخطر، طالما بقي إطلاق النار مستمراً من المواقع العسكرية المحيطة بهم".
ولا يقدم فقد طارق ومحمد إجابة لعائلتيهما عن سبب وجود الرصاص في المكان الذي كانا فيه.
بالنسبة لعائلة طارق، تحولت عودة الفتى إلى المنزل إلى جنازة. وبالنسبة لعائلة محمد، انتهت لعبة طفل أمام خيمته برحلة عاجلة إلى المستشفى ثم إلى ثلاجة الموتى.


