☰
✕

قائمة الموقع

هندسة التجويع الرقمي

2026-09-28T13:36:00+03:00
فلسطين أون لاين

مر قطاع غزة بمحطات قاسية عبر تاريخه الطويل، لكن الأزمة الحالية التي تعصف به تتخذ طابعا فريدا ومبتكرا في استهداف عصب الحياة اليومية للمواطن. لم يعد الأمر مقتصرا على الحصار المطبق ونقص السلع الأساسية، بل امتد ليحكم الطوق عبر "المال"، إذ بات المواطن الغزي يواجه كابوسا جديدا متمثلا في رفض المحلات والتجار التعامل بالسيولة النقدية (الكاش)، وفرض التداول حصريا عبر التطبيقات البنكية والمحفظات الإلكترونية.
إن شح السيولة النقدية في قطاع غزة لم يأت من فراغ، بل هو نتاج ممنهج ومتعمد من الاحتلال الإسرائيلي، الذي قطع شريان الإمداد النقدي ومنع وصول الأموال الورقية إلى البنوك الفلسطينية. ولكن الخطير في الأمر هو تحول هذا النقص إلى واقع قسري، إذ وجد التجار أنفسهم مجبرين (على حد تعبيرهم) على الاعتماد المطلق على التطبيقات ورفض تداول الأوراق النقدية بين أيدي المواطنين.

وللرجوع قليلا إلى الوراء، فإنه في مفارقة تعكس عمق الأزمة، كان التجار خلال فترات الحرب الشرسة على غزة يستقبلون أموال التطبيقات والتحويلات الإلكترونية مقابل عمولة إضافية يتقاضونها نظرا لشح "الكاش" وحاجة السوق الملحة، أما اليوم فقد انقلبت الآية تماما وأصبح عدد كبير من التجار والمحال التجارية يرفضون تسلم "الكاش" الورقي بشكل قاطع أو يفرضون عمولات مبالغ فيها لمن يحاول الدفع به، مما أدى لحصر التداول في المحافظ الإلكترونية وحدها، ودخلت الأسواق في نفق مظلم من الشلل التجاري وانعدام الثقة في الأداة والوسيلة معا.

وراء هذا الواقع تختبئ أهداف خبيثة تهدف إلى التلاعب بأموال المواطنين وسرقة قدرتهم الشرائية، وتجميد الأموال في أي لحظة تحت مبررات واهية تحكمها المزاجية الأمنية والسياسية للاحتلال وعملائه، فضلا عن السعي للتحكم المطلق بحركة الفرد وتحويله إلى رقم أصم في نظام رقمي مسلوب الإرادة يفقد فيه المواطن حق التصرف بماله الخاص.

إن الاعتماد الكلي على المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع الرقمي المختلفة في وجود بيئة سياسية واقتصادية وأمنية هشة كغزة، يشبه السير على حبل مشدود وسط نفق مظلم.
يوما ما، قد نتفاجأ جميعا بأن بوابات الدخول إلى هذه المحافظ والتطبيقات أصبحت مغلقة ومستحيلة، وحينها لن تجدي نفعا أي مناشدة لإدارة بنك فلسطين، ولا لأي بنك محلي آخر، ولن تستطيع أي محفظة رقمية معالجة الكارثة.
السبب أبسط وأكثر مرارة مما نتخيل، فبكل بساطة، يمكن لقرار فردي طارئ من وزير المالية الإسرائيلي أو أي جهة أخرى تتحكم بالبنية التحتية والاتصالات أن يصدر بإيقاف هذه التطبيقات بجرة قلم، لتتبخر أموال الناس، وتتوقف الحياة الاقتصادية تماما، وتتحول الأرصدة الرقمية إلى أرقام وهمية بلا قيمة.

وأمام هذا المنعطف الخطير، تقع مسؤولية تاريخية ووطنية كبرى على عاتق الجهات الرسمية والمسؤولين، والمحللين الاقتصاديين، إضافة إلى الوجهاء والمخاتير والمجتمع، إذ بات مطلوبا وبشكل عاجل تكثيف الحملات التوعوية لتحذير المواطنين والتجار من مغبة الانزلاق الكامل خلف هذه الخديعة الاقتصادية. فالمحللون مطالبون بتعرية الأبعاد الخطيرة لهذا التحول الرقمي القسري، في حين يجب على الوجهاء والمخاتير وأصحاب الرأي توجيه النصح للناس بضرورة حماية ما تبقى من سيولة نقدية بأيديهم، والوقوف في وجه أي ممارسات تكرس الهيمنة المالية للاحتلال على لقمة عيشنا، لقطع الطريق أمام كارثة مقبلة لا تحمد عقباها.

إن الوعي بهذه المؤامرة الاقتصادية هو خط الدفاع الأول في مواجهتها. إن استسلامنا الكامل لهذا الواقع المعقد يعبد الطريق أمام الاحتلال لإحكام السيطرة الكاملة على لقمة عيش المواطن وتجويعه تقنيا. إننا بحاجة عاجلة إلى وقفة جادة من الجهات الرسمية، وسلطة النقد، والتجار الأطهار، لإيجاد حلول إبداعية تحمي السيولة النقدية المتبقية، وترفض هذا الانزلاق الخطير نحو اقتصاد هش تقوده أصابع الاحتلال من خلف الستار.

اخبار ذات صلة