لا مشكلة في أن تدعو حركة فتح إلى حوار وطني. المشكلة أن الفلسطينيين شاهدوا هذا الفيلم أكثر من مرة: دعوة، اتصالات، ترتيبات، ثم يتبدل الموعد أو تتغير الأولويات، ويعود الجميع إلى النقطة نفسها.
هذه المرة شكّلت اللجنة المركزية لفتح لجنة برئاسة جبريل الرجوب للحوار مع الفصائل، وقالت إنها تريد حوارًا وطنيًا شاملًا. الدعوة في ظاهرها ضرورية، وربما متأخرة، لكن توقيتها يفرض سؤالًا لا يمكن تجاوزه.. لماذا الآن؟
فالحوار يأتي بينما تقترب الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر، وبعد أن قال الرجوب نفسه إن المعطيات لا تسمح بإجرائها في موعدها، ودعا إلى توافق وطني على آلياتها. هنا يصبح مشروعًا أن يُقرأ الحوار باعتباره جزءًا من البحث عن مخرج لتأجيل الانتخابات، لا مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي.
والخشية ليست وليدة سوء ظن. تجارب سابقة من اجتماعات تركيا، وحوارات القاهرة، إلى لقاءات الانتخابات التي تأجل بعضها في اللحظات الأخيرة، تركت لدى الفصائل شعورًا بأن الحوار يُستدعى أحيانًا لتجاوز أزمة، ثم يُترك حين تنتهي الحاجة إليه.
لهذا، لا يحتاج الفلسطينيون إلى طاولة جديدة بجدول أعمال مفتوح، بل إلى إجابة مسبقة عن سؤال بسيط: من أين نبدأ؟
الأجدى أن يبدأ أي حوار من النقطة التي انتهت إليها التفاهمات السابقة، وأن يرتبط بسقف زمني وتعهدات واضحة وقرارات قابلة للتنفيذ.
بعد كل ما جرى في غزة، لم يعد مقبولًا أن يصبح الحوار صورة جماعية أخرى. الدم الذي دُفع أثقل من أن يُستخدم ستارًا لإدارة أزمة سياسية جديدة.

