☰
✕

قائمة الموقع

الصورة التي سبقت اللقاء الأخير

2026-09-27T09:41:00+03:00
فلسطين أون لاين

آخرهم كان إبراهيم.. المشتاق إلى إخوته، جمعته بهم صورة داخل برواز، لخمسة إخوة عاشوا سنوات حياتهم كأنهم توائم؛ يفعلون كل شيء معًا، حتى مضوا معًا إلى الشهادة.

اشتاق إبراهيم إلى إخوته، فذهب إلى المقبرة يزور قبورهم، ليقضي معهم نهار الجمعة كما اعتاد قبل الحرب، لعل المكان يخفف شيئًا من ثقل غيابهم، لكن طائرة الاحتلال باغتته هناك، فاستشهد، ولحق بإخوته الذين سبقوه، إلى لقاء أخير لا فراق فيه.

خمسة إخوة من بيت واحد، رحلوا واحدا تلو الآخر منذ بداية حرب الإبادة، حتى جاء دور إبراهيم ليكون خامسهم.

 خمسة أبناء غابوا عن بيت بقيت فيه أمهم تعد أسماءهم في قلبها، وتبحث عن أصواتهم في تفاصيل صورة قديمة، كأنها كانت قد اختارت لهم موعدا آخر للقاء.

كانوا ثمانية أبناء لها، وقبل الحرب على غزة، اجتمع خمسة منهم في إحدى المناسبات، وبالصدفة التقطوا صورة تذكارية، جاء بقية إخوتهم يريدون أن ينضموا إليهم، لكنهم رفضوا مازحين: "بس إحنا… بدنا الصورة إلنا".

ضحكوا يومها، والتقطوا الصورة، دون أن يعرفوا أنها ستصبح يوما شاهدا على حكاية أكبر وأثقل من كل الصور؛ وأن تلك اللحظة العابرة التي جمعتهم لم تكن مجرد صدفة، بل ذكرى ستحتفظ بهم معا حين تفرقهم الحياة والموت، وقبل أن تجمعهم الشهادة من جديد.

بعد استشهاد الأخوين الأولين اسماعيل ومحمد، روت أمهم أنها رأتهم في المنام مجتمعين؛ الخمسة أنفسهم، دون بقية إخوتهم، كما كانوا في الصورة.

لم تعرف الأم لماذا كانوا هم وحدهم، ولماذا اجتمعوا في حلمها بالطريقة ذاتها التي اجتمعوا بها داخل برواز الصورة، وربما لم تكن تريد أن تعرف، كانت تحكي عن المنام، وفي قلبها خوف أم بدأت تفقد أبناءها واحدا تلو الآخر.

كلما فقدت واحدا منهم، عادت إلى الصورة نفسها، وفي قلبها السؤال ذاته: من التالي؟

لكن الأيام مضت، رحل يوسف، ثم خليل، وبقي لها إبراهيم؛ آخر أبنائها الخمسة، وآخر ما تبقى للأم من تلك الصورة التي جمعتهم ذات يوم.

ثم جاء مساء الجمعة، ذهب إبراهيم إلى المقبرة، إلى المكان الذي يرقد فيه إخوته، لزيارة الأحبة الذين اشتاق إليهم، ربما ذهب ليقرأ لهم الفاتحة، وربما ليجلس قليلًا إلى جوار قبورهم، كما يفعل من أثقل الغياب قلبه.

لكنه لم يعد إلى أمه، باغتته طائرة الاحتلال، فاستشهد هناك، وكان على موعد مع إخوته، كما رأت والدته ذات يوم في منامها.

وهكذا اكتملت أركان الصورة،
الخمسة الذين رفضوا يومًا أن يدخل أحد غيرهم في البرواز، اجتمعوا من جديد… لكن هذه المرة في غياب الدنيا.

خمسة وجوه تبتسم من صورة قديمة، لم تكن تعرف يوم التقطت أن الحرب ستأخذهم واحدا تلو الآخر، خمسة أبناء جمعتهم المحبة في الدنيا، ففرّقتهم الحرب، ثم جمعهم الموت من جديد.

أما الأم، فبقيت أمام الصورة،
تنظر إلى أبنائها الخمسة كما كانوا: معا، متقاربين، يضحكون، ولا يعرفون شيئًا عن الغد، تسمع أصوات ضحكاتهم، وتتذكر جملتهم التي قيلت يوما على سبيل المزاح:
"بس إحنا".

لم يعرفوا يومها أنهم كانوا يكتبون، دون أن يدركوا، آخر صورة لاجتماعهم.

صورة سبقت اللقاء الأخير.. ثم جاء اللقاء مسرعا، بعدما أخذ الغياب ملامحهم، فغابت إلى يوم موعود

اخبار ذات صلة