☰
✕

قائمة الموقع

ائتلاف الخصوم: توافقية النخب وازدواجية الشرعية في المشهد الفلسطيني قبل انتخابات ٢٠٢٦

2026-09-27T09:31:00+03:00
فلسطين أون لاين

أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية فتح باب الترشح لعضوية المجلس التشريعي في 26 سبتمبر 2026، حيث بدا الحدث للوهلة الأولى استحقاقًا مؤسسيًا طال انتظاره بعد عقدين من الجمود، غير أنّ المتابع الدقيق لحركة الفصائل في الأسابيع السابقة على الإعلان يدرك أن الحدث الأهم لم يكن فتح باب الترشح بحد ذاته، بل التشكل المتسارع لائتلاف يجمع حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، إلى جانب التيار الإصلاحي لحركة فتح بقيادة محمد دحلان والملتقى الوطني الديمقراطي بقيادة ناصر القدوة، ما يعني اجتماع أطراف كانت حتى وقت قريب تتموضع في خنادق متضادة أيديولوجيًا وأمنيًا وسياسيًا.

حيث يفرض هذا التحول سؤالًا ازدواجيًا حول كيف تتشكل ائتلافات بين خصوم تاريخيين دون أن تُفضي إلى مصالحة استراتيجية حقيقية؟ ولماذا يبدو الدعم الدولي لهذا المشهد متناقضًا ظاهريًا، إذ يُجدَّد الغطاء الرسمي لشرعية محمود عباس ومؤسسات السلطة في الوقت الذي تُترك فيه الأبواب مفتوحة أمام محمد دحلان كخيار بديل؟ الإجابة عن هذين السؤالين تستدعي أطرًا نظرية أدق من التوصيف السياسي المباشر.

المحور الأول: توافقية النخب المنقسمة ودوران النخب المنفية:

القضية الأولى التي ينبغي تفكيكها هي افتراض أن اجتماع حماس والجهاد الإسلامي وتيار دحلان في قائمة واحدة يعكس تقاربًا أيديولوجيًا أو حتى هدنة استراتيجية، حيث إن النموذج التفسيري الأنسب هنا ليس نظرية الوفاق الوطني بمعناها التقليدي، بل نظرية الديمقراطية التوافقية التي طوّرها أرندت ليبهارت لتفسير كيفية استقرار الأنظمة السياسية في المجتمعات العميقة الانقسام، حيث يقوم النموذج التوافقي على أربع ركائز:

أولًا: الائتلاف الكبير بين ممثلي الكتل المتصارعة.
ثانيًا: حق الفيتو المتبادل.
ثالثًا: التمثيل النسبي.
رابعًا: الاستقلالية القطاعية لكل كتلة داخل مجالها.

وعليه، فإنّ ما يجري فلسطينيًا اليوم يمثل محاكاة لهذا النموذج بدقة لافتة؛ فالقائمة الانتخابية المشتركة ليست اندماجًا تنظيميًا، بل ائتلاف كبير مؤقت تتقاسم فيه الأطراف تمثيلًا نسبيًا ضمن كشف مغلق بأسماء المرشحين وترتيبهم، بينما تحتفظ كل كتلة ببنيتها التنظيمية والأمنية والعقائدية المستقلة تمامًا خارج إطار القائمة، كما أن الفارق الجوهري عن النموذج الليبهارتي الكلاسيكي أن التوافقية هنا لا تهدف لإدارة حكم مستقر طويل الأمد، بل إلى تحصيل شرعية برلمانية آنية لكل طرف، ما يجعلها توافقية انتخابية مصلحية أقرب إلى الهدنة التكتيكية منها إلى صيغة حكم دائمة، وهو ما يفسر لماذا يصف القيادي في حماس محمود مرداوي هذا الإطار بأنه مفتوح لا تحالف ضد أحد؛ فصياغة تحفظ لكل طرف حرية الانسحاب أو إعادة التموضع متى تغيَّرت موازين القوى.

لكن التوافقية وحدها لا تفسر لماذا يقبل دحلان تحديدًا، بعد سنوات من العداء الدموي مع حماس إثر أحداث 2007، بالانخراط في هذا الإطار، وهنا تصبح نظرية دوران النخب، كما صاغها عدد من المنظرين، أكثر تفسيرية، حيث يرى باريتو أن النخب السياسية، حين تُقصى من مواقع السلطة الفعلية، لا تختفي، بل تدور باستمرار بحثًا عن قنوات جديدة لإعادة التموضع، مستخدمة إما القوة أو المناورة والتحالف.

دحلان، الذي أُقصي من غزة بالقوة عام 2007، وأعاد بناء نفوذه من الخارج عبر شبكة علاقات إماراتية-"إسرائيلية"-أمريكية، يمثل نموذجًا كلاسيكيًا لما يسميه باريتو النخبة الثعلبية التي تُفضل المناورة السياسية والتحالفات المرنة على المواجهة المباشرة حين تكون موازين القوة الميدانية غير مواتية، كما أن دخوله تحالفًا مع خصمه التاريخي ليس تناقضًا في هذا الإطار، بل هو بالضبط الآلية التي يتوقعها موسكا من الأقلية المنظمة الساعية لإعادة اختراق الطبقة الحاكمة عبر قناة مؤسسية (الانتخابات)، بعد فشل قناة المواجهة الأمنية المباشرة عام 2007، والدليل على ذلك أن دحلان نفسه عمل سابقًا على إنفاذ المصالحة المجتمعية في قطاع غزة بالتعاون مع حركة حماس، كما ينفي علنًا أي طموح لمنصب أمني أو حكومي في غزة، وهو نفي متسق تمامًا مع منطق الثعلب الذي يتقدم بحذر شديد، ويتجنب استفزاز الطرف المهيمن ميدانيًا، المتمثل بحماس، قبل أن تنضج شروط إعادة التموضع الكامل.

وبناءً عليه، فإن الائتلاف الحالي هو بنية توافقية هشة بطبيعتها؛ لأنها تجمع نخبة مهيمنة ميدانيًا، متمثلة بحماس، في مواجهة نخبة عائدة تسعى لدوران تدريجي، حيث تتمثل بدحلان، ضمن إطار مؤسسي (القائمة الانتخابية) لا يملك آليات فعلية لحل النزاع الأعمق حول من يملك احتكار القوة الفعلي حين تنتهي مرحلة الائتلاف الكبير الانتخابي.

المحور الثاني: ازدواجية الشرعية الدولية بين فيبر ونظرية الوكالة:

القضية الثانية التي تستدعي تفسيرًا نظريًا دقيقًا هي التناقض الذي يبدو عليه الموقف الغربي، حيث تجديد الشرعية المؤسسية لعباس وفتح والسلطة الفلسطينية من جهة، مع إبقاء دحلان حاضرًا كخيار احتياطي من جهة أخرى، رغم أن الطرفين يُفترض أن يكونا من نفس الحركة تنظيميًا، كما أن مقاربة ماكس فيبر لأنماط الشرعية توفر إطارًا تفسيريًا أدق من الافتراض الساذج بوجود دعم متناقض، حيث يميّز فيبر بين ثلاثة أنماط للسلطة الشرعية:

* الشرعية التقليدية (المستندة إلى الأعراف الموروثة).
* الشرعية الكاريزمية (المستندة إلى صفات القائد الاستثنائية).
* الشرعية القانونية-العقلانية المستندة إلى المنصب المؤسسي والإجراء القانوني، بصرف النظر عن شخص شاغله.

كما أن الدعم الغربي لعباس ومؤسسات السلطة الفلسطينية هو استثمار واضح في النمط الثالث؛ فتجديد الانتخابات التشريعية يُقدَّم دوليًا كإجراء قانوني-عقلاني يمنح السلطة شرعية مؤسسية متجددة، تتماشى مع متطلبات الإصلاح التي يطالب بها المجتمع الدولي كشرط لدعم إعادة الإعمار وترتيبات ما بعد الحرب.

لكن هذا النمط من الشرعية بطيء، مشروط بنتائج انتخابية قد لا تُنتج تفويضًا حاسمًا، ومقيّد بمؤسسات قد تثبت، كما أثبتت تجربة العقدين الماضيين، عجزها البنيوي عن ملء الفراغ الأمني والإداري في غزة. هنا يتحول دحلان، من منظور فيبري، إلى مصدر شرعية من نمط مختلف تمامًا، ليس تقليديًا ولا كاريزميًا بالمعنى الفيبري الصارم، بل ما يمكن تسميته بـالشرعية الوظيفية-الأدائية، حيث شرعية لا تُستمد من إجراء قانوني أو تفويض شعبي، بل من القدرة المفترضة على الإنجاز الفعلي على الأرض (ضبط أمني، جلب تمويل خليجي، تنسيق مباشر مع واشنطن وتل أبيب) في بيئة تفشل فيها الشرعية المؤسسية التقليدية في تحقيق نتائج ملموسة، لذا فإن الغرب، بهذا المعنى، لا يدعم مسارًا متناقضًا، بل يوزّع رهاناته على نمطين مختلفين من الشرعية في آنٍ واحد؛ حيث يستثمر الشرعية القانونية العقلانية علنًا، كونها الخيار الآمن دبلوماسيًا والمتوافق مع الخطاب المعلن حول الديمقراطية والإصلاح، بينما يُبقي الشرعية الوظيفية لدحلان جاهزة كاحتياط إذا أثبتت الأولى عجزها.

هذا التوزيع بين نمطي الشرعية يُفهم بدقة أكبر حين نستعير من العلوم السياسية والاقتصاد المؤسسي نظرية الوكالة، والأنسب هنا من نظريات العلاقات الدولية البنيوية الكبرى؛ لأنها تعمل على مستوى تحليل العلاقات التعاقدية غير المتكافئة بين الأصيل الذي يملك السلطة والموارد، والوكيل الذي يُفترض أن ينفذ مصالحه، وفي هذا الإطار تتصرف الأطراف الدولية والإقليمية (واشنطن، أبوظبي، وبدرجة أقل تل أبيب) كأصيل يسعى لتحقيق هدف واضح يتمثل باستقرار يخدم مصالحه الأمنية والاستراتيجية في غزة والضفة، دون التزام حصري بوكيل واحد.

عباس ومؤسسات السلطة يمثلون الوكيل الرئيسي المعتمد رسميًا وعلنًا، بينما يُبقي الأصيل على دحلان كوكيل احتياطي جاهز للتفعيل دون تكلفة سياسية علنية، تحديدًا لأن نظرية الوكالة تفترض أن الأصيل العقلاني لا يضع كل ثقته في وكيل واحد حين تكون بيئة التنفيذ شديدة التقلب وغير مضمونة النتائج، وهذا تحديدًا وصف دقيق لبيئة غزة والضفة الغربية حاليًا.

فالدلائل على هذا النمط الوكالي المزدوج واضحة، حيث إن تقارير صحافية "إسرائيلية" تصف دحلان بأنه (لاعب مؤثر في ترتيبات غزة ما بعد الحرب)، رغم عدم شغله منصبًا رسميًا في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وهذه الصيغة بالذات، النفوذ دون المنصب، هي جوهر تعريف (الوكيل الاحتياطي) الذي يُبقيه الأصيل في الظل دون التزام رسمي يُحرجه أمام الوكيل الأول.

الخلاصة:

يكشف الجمع بين الإطارين عن بنية أعمق مما يبدو على السطح، حيث التوافقية النخبوية الداخلية (ليبهارت) ودوران النخب (باريتو-موسكا) تفسران لماذا يقبل خصوم الأمس التحالف التكتيكي في قائمة واحدة دون أن يذوب أي طرف في الآخر تنظيميًا أو أمنيًا؛ بينما ازدواجية الشرعية الفيبرية ونظرية الوكالة تفسران لماذا لا يرى الفاعلون الدوليون في دعم عباس ودحلان معًا تناقضًا استراتيجيًا، بل توزيعًا عقلانيًا للمخاطر بين نمطي شرعية ومستويين من الوكالة، والنتيجة أن المشهد الانتخابي الفلسطيني الحالي ليس صراعًا ثنائيًا تقليديًا بين معسكرين، بل شبكة معقدة من ائتلافات توافقية هشة داخليًا، مغطاة بمظلة دولية تتعمد ازدواجية الرهان بدل الحسم بخيار واحد، وهو ما يجعل استقرار أي نتيجة انتخابية مرهونًا، في نهاية المطاف، بأيهما يثبت أولًا: قدرة الوكيل الرئيسي على الأداء، أم صبر الأصيل الدولي على انتظاره.

اخبار ذات صلة