قائمة الموقع

العميد "أبو كميل" في ذاكرة والدته.. ابنٌ بار وأب حنون رحل في جريمة اغتيال

2026-09-24T11:12:00+03:00
الشهيد جمال محمود أبو كميل، مدير شرطة محافظة غزة
فلسطين أون لاين

لم تكن ياسمين أبو كميل تحتاج إلى مناسبة لتتذكر ابنها جمال؛ فقد كان حضوره جزءًا من تفاصيل يومها. يأتيها في الصباح، يجلس إلى جوارها، يفطر معها ويشرب القهوة، ثم يتوضأ لصلاة الضحى ويذهب إلى عمله. وإذا اتصلت به لأي سبب، كان جوابه الذي تحفظه عن ظهر قلب: "حاضر يا أمي".

في 13 أغسطس/ آب 2026، استشهد جمال محمود أبو كميل، مدير شرطة محافظة غزة، عن عمر 43 عامًا إثر قصف إسرائيلي استهدف مركبته في شارع الرشيد، جنوب غربي مدينة غزة.

لكن ياسمين لا تستعيد ابنها من خلال منصبه، بل من خلال صورته التي بقيت في تفاصيل البيت: ابنًا بارًا بوالديه، وأبًا تحمل أرملته جنينًا في بطنها".

ابنٌ بار بوالديه

تصف ياسمين ابنها بأنه كان سندًا لوالديه، وتقول لصحيفة "فلسطين": "جمال كان عمود البيت، والده كان مشلولًا ومصابًا بجلطة، وكان جمال يهتم به ويأخذه إلى المستشفى عندما يتعب".

وتشير إلى أنه كان يحرص على اصطحاب والده إلى المسجد كل جمعة على كرسي متحرك، وكانت هذه المهمة جزءًا من حياته اليومية، لا يتعامل معها باعتبارها عبئًا. وتضيف: "كان بارًا بوالديه، ونال الشهادة كمان".

بالنسبة إلى ياسمين، لم يكن بر جمال بوالديه موقفًا عابرًا، بل سلوكًا مستمرًا بقي حاضرًا في ذاكرتها حتى بعد رحيله.

وتتوقف ياسمين طويلًا عند الصباحات التي كان جمال يمر فيها عليها. وتقول: "كان يأتي كل يوم، ويفطر معنا. كان يبعد عنا نحو 300 أو 400 متر، ومع ذلك كان يأتي".

كانت تلك الزيارات تمنحها شعورًا بأن ابنها قريب منها، حتى في ظروف النزوح والحرب، يجلس معها على مائدة الطعام، يتناول ما تيسر، ثم يشرب القهوة قبل أن يستعد للذهاب إلى عمله.

وتضيف: "كان يقف معي، ونعد الشاي والفطور بما يقسمه الله لنا، ثم نفطر، وبعدها نشرب القهوة"، في حين كان الوضوء لصلاة الضحى جزءًا آخر من المشهد الذي لا تنساه.

تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تبدو عادية في حينها، أصبحت بعد غيابه أثقل ما تحمله ذاكرة والدته.

تتابع الأم حديثها بحسرة: "بعد أبو رياض لم تعد لديّ رغبة في الطعام".

وبحسب والدته، كان جمال يحرص أن يسأل والدته عما ترغب في تناوله، ويحاول أن يحضر لها ما تطلبه.

وتروي ياسمين أن الدجاج والحبش كانا من الأشياء التي اعتاد إحضارها، لكنها طلبت منه في الأيام الأخيرة شيئًا مختلفًا.

ردت عليه: "يا أبا رياض، لا تجلب لي دجاجًا ولا حبشًا، أريد سمكًا. فقال لها: حاضر يا أمي".

وتقول: "كل شيء أطلبه منه كان يحاول أن يجلبه لي. وإذا اتصلت به من العمل وقلت له: يا أبا رياض، يجيبني: حاضر يا أمي".

وكانت هذه الكلمة بالنسبة للأم أكثر من مجرد جواب؛ فقد أصبحت اختصارًا لشخصية ابنها في نظرها، رجلًا لا يرد والدته، ولا يتأخر عن تلبية طلبها.

جرحٌ وفقد

وكان جمال قد ذاق قبل رحيله ألم فقد أحد أبنائه، محمود، الذي استشهد خلال الحرب.

تروي ياسمين أن الأسرة كانت في جنوبي القطاع، في حين بقي جمال في مدينة غزة ولم يغادرها، واستمر في عمله. وعندما تعرضت المدرسة التي كانت الأسرة تنزح فيها للقصف الإسرائيلي، أصيبت زوجته وأبناؤه، واستشهد محمود.

وبعد فقد محمود، كانت ياسمين تتمنى أن يعوض الله ابنها طفلًا آخر. وتقول: "قلت له: أتمنى أن يأتيك ولد، وعشاني يا أمي، وبعدها حملت زوجته، وهي الآن في الشهر الثالث".

وعندما فتحت الطريق، عادت زوجة جمال إلى غزة، بعد غياب دام نحو سنة ونصف السنة، بحسب رواية والدته، لتلتقي بزوجها وأبنائها.

حياة بسيطة رغم المنصب

تؤكد ياسمين أن جمال لم يعش خلال الحرب حياة مختلفة عن الناس، على الرغم من توليه منصب مدير شرطة محافظة غزة.

وتقول: "لم تكن عيشته عيشة محافظ شرطة في مدينة كاملة، لجأ إلى شقة وقسمها بالشوادر ليعيش مع أسرته".

وتضيف أن جمال لم يكن يحب الظهور بحراسة، وكان يذهب إلى المسجد مع والده بنفسه".

كما تؤكد أنه كان يتحدث مع أسرته عن حياته، ولم يكن يخفي عنها أين يذهب أو أين يأتي.

في يوم استشهاده، كان جمال قد مر على والدته، ثم غادر.

تقول ياسمين: إنها لم تكن تعلم ما سيحدث، وكانت جالسة مع بناتها، قبل أن يصلها الخبر بصورة مفاجئة.

لم تعرف في البداية ما جرى، إلى أن اتصل بها ابنه رياض، الذي كان في السوق.

وتقول: "اتصل عليّ رياض، وقال لي: يا ستي، أين أعمامي؟ قلت له: لماذا؟ فقال: أبي استشهد".

عندها أدركت الأم أن ابنها الذي كان قبل وقت قصير في طريقه إليها لن يعود.

وتستعيد لحظة رؤيته بعد استشهاده، قائلة: "رأيت وجهه أبيض جدًا، وكانت يداه طريتين وبيضاوين، وكأن وجهه نور.

اغتيال متعمد

بحسب ما نقلته ياسمين عن الأشخاص الذين كانوا يعرفون جمال، فإن المركبة تعرضت للقصف، وأن من كانوا فيها حاولوا التفرق بعد الضربة الأولى.

وتضيف أن الذين أخبروها بما حدث قالوا: إن "جمال وضع يديه على رأسه وحاول الاحتماء بجانب جدار، قبل أن يطاله القصف".

وهكذا انتهت حياة الرجل الذي كانت والدته تعرف طريقه إليها كل صباح، وتنتظر صوته عند الهاتف، وتسمع منه دائمًا كلمته الأقرب إلى قلبها: "حاضر يا أمي".

بعد رحيله، لم تعد ياسمين تتحدث عن جمال بوصفه مسؤولًا أو صاحب منصب، وإنما كابن ترك فراغًا لا تستطيع الكلمات ملأه.

وتقول: "الفراق صعب، كان ابنًا مطيعًا وطيبًا، وعمره ما رفض طلب".

وتشير إلى أنه كان يساعد من يقصده، ويقف إلى جانب من يحتاج إليه، وأن من عرفوه جيدًا يفتقدونه حاليًا.

وتقول: "كان يتعامل مع الجميع، وإذا جاءه أحد بحاجة كان يساعده".

واليوم تحمل والدته همّ أبنائه وزوجته، وتتمنى أن يعينها الله على الوقوف إلى جانب الأسرة.

وتقول: "إن شاء الله أولاده يطلعوا صالحين، ويقوي أمهم ويمكنها من تربيتهم".

اخبار ذات صلة