أوصت دراسة بحثية المؤسسات الحقوقية ببناء ملفات أدلة مترابطة تجمع التحقيقات الصحفية بالوقائع الميدانية والتحليلات الفضائية، كما دعت وسائل الإعلام إلى الدقة في نسبة الأرقام والشهادات إلى مصادرها الأصلية، والاستناد إلى مسارات المساءلة القانونية الدولية القائمة.
وأصدر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، يوم الأربعاء، ورقة تحليلية بعنوان: "أزمة الرواية الإسرائيلية في حرب غزة: من لا أرض أخرى إلى NAZA: شهادات الداخل وحدود احتواء الرواية الرسمية"، أعدها الباحث إبراهيم الحواجري، تناولت التحولات التي طرأت على الرواية الرسمية الإسرائيلية للحرب، في ظل تنامي التحقيقات والشهادات والإنتاجات الإعلامية الصادرة من داخل المؤسسة والمجتمع الإسرائيليين.
وأشارت الدراسة إلى أن الحرب على غزة وما رافقها من كلفة بشرية ومادية واسعة أوجدت بيئة بدأت فيها شهادات وتحقيقات إسرائيلية تنتج رواية مغايرة لما يقدمه الناطقون الرسميون الإسرائيليون، لافتة إلى ضرورة الفصل بين فيلم "لا أرض أخرى" وفيلم NAZA وتحقيقات "لافندر"، باعتبار أن لكل منها موضوعاً وسياقاً مختلفين.
وتناولت الورقة تحقيق "لافندر" المنشور في أبريل/نيسان 2024، والذي استند إلى شهادات مصادر استخباراتية إسرائيلية بشأن منظومة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في إعداد قوائم الاستهداف، فيما تناولت فيلم NAZA الذي صدر عام 2026 واستند إلى مقابلات مع 24 ضابطاً واستخبارياً إسرائيلياً سابقاً، لتوثيق منظومة الاستهداف في قطاع غزة من خلال شهادات داخلية مباشرة.
ووضعت الدراسة هذه التطورات ضمن مسار تاريخي أوسع، مشيرة إلى تكرار أنماط من الردود الرسمية الإسرائيلية على الشهادات المتعلقة بحروب غزة منذ عام 2009، بدءاً من النفي والمطالبة بالأدلة، وصولاً إلى إغلاق ملفات التحقيق.
ورأت أن الحرب الحالية شهدت تحولاً في طبيعة هذه المواجهة، مع انتقال الرد الرسمي إلى مستوى سياسي مباشر، خصوصاً عقب عرض فيلم NAZA في مهرجان البندقية وما رافقه من تصريحات حكومية إسرائيلية ضد صنّاعه.
كما بحثت الدراسة في صلة هذه الشهادات بمسار المساءلة الدولية، مشيرة إلى إصدار المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، معتبرة أن التحقيقات والشهادات الجديدة يمكن أن تعزز قاعدة الأدلة المتاحة أمام مسارات قانونية دولية قائمة.
وطرحت الورقة ثلاثة مسارات مستقبلية قابلة للرصد، تتمثل في فرض تشريعات أكثر تقييداً على التوثيق وتسريب الشهادات، أو استمرار تدفق الشهادات عبر المنصات الدولية، أو تنامي تدويل هذه الشهادات واستخدامها في مسارات المساءلة الدولية.
وأكدت الدراسة أهمية ضبط المصطلحات والفصل بين الوقائع والمصادر المختلفة عند تناول الرواية الإسرائيلية للحرب، مع التركيز على التحولات داخلها وآثار شهادات الداخل على الإعلام والرأي العام ومسارات المساءلة القانونية الدولية.
وتأتي هذه التوصيات في ظل ما تراه الدراسة من اتساع مساحة الشهادات والتحقيقات الصادرة من داخل المجتمع والمؤسسة الإسرائيلية بشأن مجريات الحرب على غزة، وما قد تتيحه من معطيات يمكن توثيقها وربطها بالوقائع الميدانية ومسارات المساءلة الدولية، مع التشديد على ضرورة التعامل معها وفق مصادرها الأصلية وبمنهجية بحثية دقيقة.