بعد أكثر من 300 يوم على اتفاق وقف إطلاق النار، يرسم رئيس بلدية غزة د. يحيى السراج صورة قاتمة للواقع الخدماتي، محذرا من أنه وصل إلى "مستويات كارثية"، منبها على أن ملف المياه والصرف الصحي هو الأشد خطورة وتهديداً لحياة المواطنين.
في حوار مع صحيفة "فلسطين" أمس، يقول السراج إن بلديته تعتمد حاليا على حلول إسعافية، في حين تحتاج المدينة إلى عملية إعمار شاملة وموسعة. ويضيف أن خطر الحرب لا ينتهي بتوقف القصف، فهناك مئات المباني المتضررة إنشائياً التي تشكل قنابل موقوتة.
على الصعيد الخدماتي، يؤكد السراج أن البلدية لم تتوقف يوماً عن العمل، وطواقمها الميدانية تواصل الليل بالنهار بما يتوافر لديهم من إمكانات ولو بالحد الأدنى للإبقاء على شريان الحياة.
ويشير إلى تعرض البنية التحتية للدمار في كافة القطاعات؛ قائلا: "في مدينة غزة وحدها، تقديراتنا تؤكد تضرر نحو 830 كيلومتراً من الطرق، و8 محطات لضخ المياه العادمة، و212 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، وتدمير أو تضرر 72 بئراً للمياه و4 خزانات رئيسة، و150 ألف متر طولي من شبكتها، و135 آلية ومعدة تابعة للبلدية، ناهيك بتراكم أكثر من 380 ألف متر مكعب من النفايات الصلبة".
ونتيجة لذلك، يؤكد السراج أن قطاعات المياه، والصرف الصحي، وجمع النفايات، وفتح الطرق مصابة بشلل شبه كامل. ويعني ذلك، أن البلدية "تعتمد حالياً على حلول إسعافية وترقيعية طارئة لضمان العيش لا أكثر، بينما تحتاج المدينة إلى عملية إعمار شاملة وموسعة، بعد الدمار الهائل وما خلفه من أزمات حقيقية وخطيرة".
ووفق السراج، فإن ملف المياه والصرف الصحي هو الملف الأشد خطورة وتهديداً لحياة المواطنين في غزة، إذ كان حجم احتياج المدينة من المياه قبل الحرب يتجاوز 100 ألف متر مكعب يومياً، واليوم تراجعت قدرتنا الإنتاجية بشكل حاد بسبب تدمير الآبار ومحطات التحلية والشبكات.
ويضيف: أثر ذلك سلبيا في حصة الفرد وأدى إلى تراجعها من 90 لترًا يومياً إلى 10 لترات في أفضل الأحوال، وتزايد نسبة العجز في المياه المتوفرة لتصل إلى 70%، والاعتماد بشكل أساسي على مياه شركة ميكروت القادمة من الأراضي المحتلة والتي يتحكم بها الاحتلال الإسرائيلي، وبعض الآبار التي لا تزال تعمل حتى هذه اللحظة أو تلك التي أعيد تشغيلها وصيانتها.
وينبه إلى وجود إشارات بتلوث المياه في عدد من الآبار المحلية، مع خشية وصول التلوث إلى المياه الجوفية.
أما الصرف الصحي -والحديث لا يزال للسراج- فالكارثة أكبر؛ الأضرار التي لحقت بمحطات الضخ والشبكات جعلت خطر تسرب المياه العادمة إلى الشوارع أو شواطئ البحر خطراً قائماً وداهماً. الدمار الكبير في منظومة التصريف تسبب في تسرب 24 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى شاطئ البحر بشكل يومي، ناهيك عن الحفر الامتصاصية التي تعتمد عليها الخيام ومراكز الإيواء.
ويؤكد أن هذا الوضع لا يهدد البيئة فحسب، بل يرفع خطر انتشار الأوبئة والأمراض المعوية والجلدية والتيفوئيد في ظل الاكتظاظ السكاني في المخيمات ومراكز الإيواء وانعدام أدوات النظافة الشخصية.
ويشدد على أن إعادة تشغيل قطاع المياه والصرف الصحي يجب أن تكون المطلب والأولوية الأولى لأي تدخل إنساني عاجل، وهذا يتطلب إدخال كل ما يلزم من مواد بناء وقطع غيار ومواسير لتحقيق ذلك.
المباني الآيلة للسقوط
وليس بعيدا عن كارثة انهيار عمارة السعادة التي كانت آيلة للسقوط بفعل قصف إسرائيلي سابق، ما أسفر عن استشهاد 21 نازحا وإصابة وفقد العشرات، يقول السراج: إن الفاجعة التي شهدناها في حادثة انهيار عمارة السعادة الأسبوع الماضي سلطت الضوء مجدداً على حقيقة مؤلمة هي: خطر الحرب لا ينتهي بتوقف القصف؛ فهناك مئات المباني المتضررة إنشائياً والتي تشكل قنابل موقوتة، يُجبر المواطنون والنازحون على السكن فيها لعدم وجود البديل الآمن، وهربًا من عذاب الخيام المتهالكة والبالية.
ويضيف: لقد حذرنا قبل الحادثة وبعدها من وجود مئات المباني الآيلة للسقوط في مختلف أحياء مدينة غزة. ومن موقع المسؤولية، نتحفظ عن إعطاء أرقام عشوائية لعدد المباني التي تحتاج تقييماً هندسياً عاجلاً؛ فهذا الملف يتطلب مسحاً هندسياً شاملاً وتقييماً دقيقاً لمستويات الخطورة عبر فرق متخصصة ومعدات فحص لا نمتلكها حالياً بالشكل الكافي.
ويوضح أن أزمة هذا الملف تكمن في أبعاده الإنسانية، فلدينا خطان متوازيان يجب العمل عليهما فوراً: تقييم هندسي للسلامة الإنشائية، وتوفير مراكز أو مساكن إيواء بديلة تتيح إخلاء المواطنين والنازحين دون تشريدهم أو تركهم دون مأوى مناسب أو بديل.
وعن سؤال: ما الإجراءات التي تتخذها البلدية حاليًا لحماية السكان من مخاطر المباني المتضررة، يجيب: نعمل في البلدية على استقبال بلاغات المواطنين والكشف الميداني على المباني المتضررة بالشراكة مع الجهات المسؤولة عن هذا الملف والتي تضم وزارة الأشغال العامة والإسكان وجهاز الدفاع المدني ونقابة المهندسين، لتحديد مدى خطورتها، ووضع التحذيرات اللازمة لحماية الأرواح والمارة.
ويقول: في مارس الماضي كان لدينا تجربة ميدانية شاقة بالتعاون مع وزارة الأشغال العامة واللجنة القطرية لإزالة المباني أو الأجزاء الأكثر خطورة، إلا أن حجم الإنجاز مقارنة بالاحتياج الميداني المهول يبقى محدوداً.
ويفسر: الإمكانيات الحالية لدينا لا تكفي للتعامل مع هذا الملف الخطير. نحتاج بشكل عاجل إلى آليات ثقيلة، ومعدات رفع وإزالة، ومواد تدعيم إنشائي، وفرق إنقاذ متخصصة، وقد خاطبنا كافة الجهات لتوفير معدات الإنقاذ والآليات ومواد التدعيم لإنقاذ أرواح السكان، ولا سيما مع أعتاب موسم الأمطار الذي يحمل مخاطر مضاعفة على المباني المتداعية والآيلة للسقوط.
ويذكر أن البلدية طالبت منذ أكثر من عام وما زالت بإدخال مواد البناء وبخاصة الإسمنت حتى تتمكن من تنفيذ أعمال التدعيم والصيانة لعدد كبير من المباني، لتأهيلها وحماية المواطنين القاطنين فيها وحولها.
نقص المواد التشغيلية
وعن مدى تأثير نقص قطع الغيار والزيوت والمواد التشغيلية في قدرة البلدية على جمع النفايات، وتشغيل الآليات، وصيانة ما تبقى من شبكات المياه والصرف الصحي، يقول: تأثيره مباشر جداً. الآلية التي تتوقف بسبب قطعة غيار بسيطة قد تبقى خارج الخدمة، وبالتالي لا تتوقف خدمة واحدة فقط، وإنما تتأثر سلسلة كاملة من الخدمات، وهناك عدد من الآليات متوقفة لعدم وجود إطارات لها.
ويتابع: في قطاع النفايات مثلاً، تحتاج البلدية إلى آليات نقل وضغط وترحيل، وهذه الآليات تحتاج إلى وقود وزيوت وفلاتر وإطارات وبطاريات وقطع غيار بصورة مستمرة. والأمر نفسه ينطبق على مضخات المياه والصرف الصحي والآبار والمولدات.
ويردف: لذلك نحن لا نحتاج فقط إلى آليات جديدة، وإنما إلى منظومة تشغيل كاملة: آليات، وقود، زيوت، فلاتر، إطارات، قطع غيار، مضخات، معدات كهربائية ومواد صيانة.
مستلزمات التعليم
وفيما يتعلق بافتتاح العام الدراسي 2026-2027 من مدرسة بلدية غزة قبل أيام، يقول السراج: افتتاح العام الدراسي الجديد في مدينة غزة وعودة أبنائنا الطلبة إلى مقاعد الدراسة يحملان رسالة عميقة مفادها أن الحياة في غزة مستمرة رغم كل الدمار والظروف القاسية التي يُعانيها أهلنا.
ويضيف: التعليم بالنسبة لنا ليس مجرد فتح لأبواب المدارس، بل هو استعادة لأمل أطفالنا وحقهم في بيئة طبيعية تبعدهم عن وطأة الحرب الإسرائيلية وحالة النزوح وتداعيات الحصار.
لكنه يشير إلى أن معظم المدارس التي افتتحت لا تتوفر فيها المستلزمات الأساسية لعملية التعليم، حيث يجلس الطلاب على الأرض ولا تتوفر لديهم الكتب المدرسية ولا القرطاسية اللازمة، كما لا تتوفر الوسائل التعليمية الأساسية.
ويتابع: نحن في بلدية غزة، وضمن مسؤولياتنا الوطنية والإنسانية وبحدود الإمكانيات المتاحة، نعمل جاهدين على توفير الحد الأدنى من البيئة الخدمية المحيطة بالمدارس؛ حيث تعمل طواقمنا ليل نهار لفتح الطرق المؤدية للمدارس، ومعالجة مشكلات المياه والصرف الصحي بقدر ما تسعفنا به الموارد، وإزالة النفايات الصلبة، وغيرها من الخدمات اليومية.
ويؤكد السراج، أن البيئة المحيطة ما زالت تعاني آثار الدمار الهائل، واستدامة هذه العملية التعليمية تتطلب دعماً دولياً وإنسانياً متواصلاً لضمان بيئة آمنة وصحية لكل طالب ومعلم.
أولويات
وعن سؤال: إذا أردتم وضع خطة عملية للمرحلة المقبلة، ما أولوياتكم لإعادة الحياة إلى مدينة غزة؟ يجيب السراج: أولوياتنا تبدأ بما يمس حياة المواطن مباشرة، لذا فإن خطتنا للنهوض بواقع المدينة تعتمد على سلم أولويات مترابط.
ويحدد السراج أولويات البلدية في فتح المعابر بالاتجاهين للسماح بحرية الحركة، وإدخال كل ما يلزم لإنعاش الحياة في قطاع غزة.
تأمين السكن الآمن وإخلاء النازحين والسكان من المباني التي يثبت أنها تشكل خطراً، مع تقييم وتدعيم أو إزالة المباني المتضررة.
إعادة تشغيل منظومة المياه، من الآبار والشبكات ومحطات الضخ والتحلية، لضمان وصول مياه صالحة لكل بيت ومخيم ومركز إيواء.
إعادة تأهيل منظومة تصريف مياه الصرف الصحي ومياه الأمطار، خصوصاً قبل موسم الشتاء، لمنع الفيضانات وتسرب المياه العادمة وحماية السكان والبيئة.
إدارة ملف النفايات الصلبة والركام وإخراجهما من المناطق السكنية، لأن استمرار تراكمهما يعني استمرار المخاطر الصحية والبيئية.
إعادة تأهيل الطرق والشوارع بما يسمح بعودة الحركة والخدمات وتسهيل حركة المواطنين وفرق الإنقاذ.
إعادة تشغيل المدارس والمرافق العامة والأسواق والمساحات الخضراء تدريجياً، بحيث لا يكون هدفنا فقط إزالة آثار الدمار، وإنما إعادة بناء مدينة قادرة على تقديم خدماتها للسكان.
ويقول: هذه الأولويات مترابطة؛ ولا تحتمل التجزئة فلا يمكن أن نتحدث عن عودة الحياة إلى غزة دون مياه آمنة، وصرف صحي، وطرق مفتوحة، ونظافة، وسكن آمن، ومرافق عامة تعمل.
احتياجات
ويشير السراج إلى حاجة البلدية إلى الموارد التشغيلية التي تمكنها من إنقاذ الأرواح وتوفير الخدمات اليومية، وليس فقط الوعود المؤجلة.
ويطالب بوقف حرب الإبادة الجماعية بشكل كامل، وتوفير الوصول الآمن إلى مصادر المياه الواقعة شرق الخط الأصفر، والوصول إلى مكب النفايات الصحية الواقع شرق المدينة، وإدخال آليات ومعدات ثقيلة ومتخصصة لإزالة الركام، والتعامل مع المباني الآيلة للسقوط، ومعدات الإنقاذ والتدعيم.
كما يطالب بإدخال شاحنات وآليات حديثة لجمع ونقل النفايات، وتوفير آليات لأعمال الحفر والصيانة للبنية التحتية، والمستهلكات اليومية من: وقود، زيوت، فلاتر، قطع غيار، وإطارات لأسطول الآليات والمولدات، ومضخات مياه متنوعة، مولدات كهربائية، أنظمة طاقة شمسية، أنابيب مياه وصرف صحي، كابلات، ومواد معالجة المياه لقطاع المياه والصرف الصحي.
ومن الاحتياجات أيضا، إدخال إسمنت ومواد بناء مختلفة، أخشاب، مواد معدنية، وتوفير بيوت متنقلة وكرفانات ومساكن بديلة مناسبة، ومستلزمات الإيواء الآمن والسريع.
ويطالب السراج بمصاريف تشغيلية لدعم موظفي البلديات الذين يواصلون العمل ليل نهار منذ بداية حرب الإبادة الجماعية دون تلقي رواتب بسبب الأزمة المالية التي تعانيها البلديات.
ويوجه رئيس بلدية غزة رسالة لدول العالم والمنظمات الدولية: "دعم البلديات اليوم هو دعم لمقومات الحياة الإنسانية، وأي تأخير في إدخال هذه المعدات سيعني كوارث صحية وبيئية لا يمكن السيطرة عليها".