حفر المهاجم الفلسطيني الشهيد محمد بركات اسمه في سجلات الكرة الفلسطينية، بل كان ظاهرة كروية وإنسانية استثنائية، جمعت بين الإبداع داخل المستطيل الأخضر والإيمان والسمو الأخلاقي خارجه.
خطّ بركات اسمه بحروف من ذهب كأحد أبرز الهدافين في تاريخ الكرة الفلسطينية، وأول لاعب في قطاع غزة يتجاوز حاجز الـ100 هدف مع نادٍ واحد، ليكون علامة فارقة في تاريخ نادي شباب خان يونس والأندية التي ارتدى قمصانها محليا وعربيا.
وعلى الصعيد الدولي، تجلت وطنيته ومهارته عندما ارتدى قميص المنتخبات الوطنية، وتألق ببراعة لافتة مع منتخب فلسطين لكرة القدم الشاطئية؛ حيث كان أحد صناع الإنجاز التاريخي بحصد الميدالية البرونزية في دورة الألعاب الآسيوية الشاطئية عام 2012 في الصين، مجسدا اسم فلسطين في المحافل القارية بروح التحدي والإصرار.
خلق رفيع وحفظ للقران
غير أن ما أضفى على مسيرة بركات محبة جارفة في قلوب الجماهير ومنافسيه على حد سواء، لم يكن فقط حسّه التهديفي الفذ أو ألقابه الكروية، بل خُلُقه الرفيع وابتسامته الدائمة.
فقد كان معلما مبدعا للغة الإنجليزية في أداء واجبه، يحبه طلابه ويتفاعلون معه، كما كان حافظا لكتاب الله الكريم، ليجمع بين نور القرآن ونبل الرياضة. ورحل النجم الخلوق شهيدا، تاركا إرثا كرويا وأخلاقيا سيبقى حيا في ذاكرة الأجيال، كرمز للرياضي الفلسطيني المتكامل الذي جمع بين المجد الكروي وسمو الرسالة.
محمد محمد حسن بركات (1984-2024)، أحد أبرز مهاجمي كرة القدم الفلسطينية وأول لاعب يتخطى حاجز المئة هدف في تاريخ اللعبة محليا، وُلد في 22 يونيو/حزيران 1984 بمدينة خان يونس.
تخرج بركات في جامعة الأقصى، وعمل مدرسا للغة الإنجليزية، كما كان حافظا للقرآن الكريم كاملا. وبدأ مسيرته الرياضية في فرق المساجد، وتحديدا فريق مسجد الإمام الشافعي، قبل الانضمام رسميا إلى الأندية.
مسيرة كروية حافلة
وكانت المحطة الأبرز في مسيرته مع نادي شباب خان يونس، حيث سجل 114 هدفا، وحمل شارة القيادة، وقاد الفريق إلى ألقاب محلية متعددة.
وتُوّج بركات هدافا للدوري الممتاز في قطاع غزة مرتين متتاليتين، في موسم 2012-2013 برصيد 22 هدفا، ثم في موسم 2013-2014.
كما لعب لفريق أهلي غزة ونادي الشاطئ، إلى جانب خوضه تجربتين احترافيتين خارج فلسطين، مع نادي الوحدات الأردني ونادي الشعلة السعودي.
وعلى المستوى الدولي، مثّل منتخب فلسطين لكرة القدم في عدة مباريات دولية، من بينها تصفيات كأس التحدي الآسيوي 2013، كما مثّل منتخب فلسطين لكرة القدم الشاطئية، وكان أحد الركائز الأساسية التي ساهمت في تحقيق الميدالية البرونزية في دورة الألعاب الآسيوية الشاطئية التي أقيمت في الصين عام 2012، في إنجاز تاريخي للكرة الفلسطينية.
وتميز بركات في الملاعب الرملية بالسرعة، وإجادة التسديدات الأكروباتية والمهارات الفردية، ما جعله هدافا دائما في البطولات الآسيوية لكرة القدم الشاطئية.
وخلال تجربته مع نادي الشعلة السعودي، قدم محمد بركات أداء لافتا كعادته، كما خاض تجربة احترافية أخرى في الأردن مع نادي الوحدات، وأظهر خلالها مستويات متميزة عززت من مكانته كأحد أبرز المهاجمين الفلسطينيين.
وإلى جانب تجاربه الخارجية، امتدت مسيرته الحافلة في غزة مع عدة أندية محلية، أبرزها شباب خان يونس، وأهلي غزة، ونادي الصداقة، وشباب رفح.
وفي موسم 2010-2011، قاد شباب خان يونس للتتويج بلقب الدوري الممتاز لأول مرة في تاريخ النادي، وساهم بشكل مباشر في تحقيق هذا الإنجاز التاريخي بأهدافه الحاسمة.
وفي موسم 2017-2018، عاد ليتوج باللقب الثاني للدوري مع النادي، وحقق في ذلك الموسم الثنائية التاريخية، بالجمع بين الدوري وكأس قطاع غزة.
وإلى جانب الدوري، قاد الفريق للتتويج بكأس قطاع غزة مرتين، في موسمي 2015-2016 و2017-2018.
مناقب الشهيد
ويستذكر حسن أبو حبيب، أحد نجوم نادي شباب خان يونس السابقين، والذي رافق الشهيد محمد بركات في النادي وجمعتهما صداقة ومحبة وإنجازات في الملاعب الغزية، شخصية "المعلم" كما كان يطلق عليه زملاؤه.
ويقول أبو حبيب لـ"فلسطين": إن الشهيد كان "ملتزما، خلوقا، متواضعا، والكل يحبه ويحترمه"، مضيفا: "كان قدوة في كل المواقف، يستوعب الجميع، ورغم نجوميته وتألقه في كرة القدم، كان مثقفا حافظا لكتاب الله، يحرص قبل كل مباراة على الدعاء، ويقف مع اللاعبين ليحفزهم ويشجعهم في حال الخسارة".
ويستذكر أبو حبيب موقفا آخر، عندما كان نادي شباب خان يونس يستعد للسفر إلى قطر، قبل أن يتم إبلاغ الفريق أمام بوابة معبر رفح بعدم وجود تنسيق للسفر، وأن عليه العودة.
يقول أبو حبيب: "طلب الشهيد محمد بركات من اللاعبين التوجه إلى صلاة الظهر، فبقي ثلاثة لاعبين، من ضمنهم أنا، وكنا متوجهين لشراء بعض الاحتياجات. فلما عدنا قال لنا: توجهوا للصلاة، حتى يكرمنا الله بالسفر. فقلت له: سنتوضأ ونصلي ونرجع إلى خان يونس، فقال لي: صلوا وربنا هيكرمنا".
وكانت المفاجأة السعيدة للجميع، فما إن بدأ أبو حبيب وزميلاه الصلاة حتى سمع الجميع وصول الموافقة على السفر من الجانب المصري. ويواصل أبو حبيب حديثه عن بركات: "في قطر كان يأتي لتنبيه جميع اللاعبين لأداء صلاة الفجر".
وفي الرياضة والتدريبات، يقول أبو حبيب، كان "المعلم" يتمرن كل يوم، ولا يعرف إجازة أو راحة، ويحافظ على نظام متوازن في الطعام. وحتى في أصعب الظروف التي عاشها النادي، كان يقول: "سنحصل على الدوري"، وبالفعل حقق مع الفريق لقب الدوري لأول مرة في تاريخ النادي موسم 2010-2011.
استشهاد بركات
واستُشهد محمد بركات في 11 مارس/آذار 2024، الموافق لأول أيام شهر رمضان المبارك، عن عمر ناهز 39 عاما، إثر غارة جوية استهدفت منزل عائلته في خان يونس.
وأثار استشهاد بركات موجة واسعة من الحزن في الأوساط الرياضية الفلسطينية، التي نعت لاعبا ترك بصمة بارزة داخل الملاعب وخارجها.
وتوالت عبارات الرثاء من زملائه ورفاقه في الأندية والمنتخبات، إلى جانب جماهير كرة القدم في قطاع غزة، مستذكرين مسيرته الحافلة وأخلاقه العالية وتواضعه مع الجميع.
كما استُعيدت محطات بارزة من مسيرته الرياضية، ولا سيما إنجازاته مع شباب خان يونس ومنتخب فلسطين لكرة القدم الشاطئية، إلى جانب حضوره الإنساني والتربوي كمعلم للغة الإنجليزية وحافظ للقرآن الكريم.