قائمة الموقع

حين تنهار سردية الاحتلال أمام حقيقة غزة

2026-09-23T09:33:00+03:00
فلسطين أون لاين

على مدى عقود، لم تكن قوة إسرائيل في السلاح وحده، بل في قدرتها على إنتاج رواية موازية لكل فعل تمارسه ضد الفلسطينيين؛ رواية تجعل الاحتلال «دفاعًا»، والحصار «ضرورة أمنية»، والضحايا «أضرارًا جانبية»، وتضع الفلسطيني دائمًا في قفص الاتهام حتى عندما يكون هو القتيل وتكون مدينته هي المدمرة.

لكن غزة أحدثت شرخًا عميقًا في هذه المعادلة.
بعد سنوات من الحرب، لم تعد المشكلة بالنسبة لإسرائيل في صورة واحدة يمكن نفيها، أو حادثة يمكن وصفها بالخطأ، أو رواية فلسطينية يمكن التشكيك فيها.

نحن أمام تراكم هائل من الوقائع: أحياء سُويت بالأرض، عائلات مُسحت من السجل المدني، مستشفيات ومدارس ومخيمات أصابها القصف، وآلاف الصور ومقاطع الفيديو والشهادات والتحقيقات التي جعلت من الصعب إبقاء ما جرى محصورًا داخل الرواية الرسمية الإسرائيلية.

ولهذا فإن *المعركة الحقيقية اليوم تجري حول السردية. السردية الإسرائيلية التي سعت إلى إقناع العالم بأن ما يحدث في غزة حرب عسكرية تقليدية تواجه اليوم سردية أخرى تشكلت من واقع غزة نفسها*؛ سردية تتحدث عن الإبادة والتدمير الواسع والتهجير واستهداف شروط الحياة.

وقانونيًا، ما تزال دعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية منظورة أمام محكمة العدل الدولية ولم يصدر فيها حكم نهائي حتى الآن.

 لكن مجرد انتقال القضية إلى أعلى محكمة دولية يعكس حجم التحول الذي أصاب النقاش العالمي بشأن طبيعة ما جرى في غزة.

والأهم أن التصدع لم يعد يأتي من الفلسطيني وحده.
فيلم «نازا» يمثل لحظة شديدة الدلالة في هذه المعركة؛ لأنه يقدم شهادات من 24 جنديًا وضابطًا وعنصر استخبارات إسرائيليًا عن عمليات الاستهداف في غزة والخسائر المدنية. وقد أثار الفيلم بعد عرضه في مهرجان فينيسيا أزمة كبيرة داخل إسرائيل وهجومًا رسميًا على صانعيه، في حين رفض الجيش والحكومة ما يطرحه من اتهامات.

هنا تحديدًا تكمن أزمة السردية الإسرائيلية: *ما كان الفلسطيني يقوله منذ البداية، وتعرض بسببه للتشكيك، بات يجد ما يسنده في شهادات وتحقيقات تصدر من داخل المجتمع والمؤسسة الإسرائيلية نفسها*.

بالتوازي، يتغير المزاج في الولايات المتحدة. استطلاع «بيو» في مايو/أيار 2026 أظهر أن النظرة إلى الإسرائيليين والحكومة الإسرائيلية أصبحت أكثر سلبية مقارنة بالسنوات السابقة، وأن الأميركيين دون الثلاثين ينظرون إلى الفلسطينيين بإيجابية أكبر بكثير من نظرتهم إلى الإسرائيليين.

هذا لا يعني أن السياسة الأميركية انقلبت على إسرائيل، لكنها إشارة إلى أن احتكار الرواية يتراجع.

لقد تمكنت القوة العسكرية من تدمير أجزاء واسعة من غزة، لكنها لم تستطع دفن قصتها. 

وكلما ظهرت شهادة جديدة أو وثيقة أو فيلم أو تحقيق، تصبح المسافة أكبر بين الرواية الرسمية وبين ما شاهده العالم.

وهنا تكمن المفارقة: *الفلسطيني لم يكن بحاجة إلى فيلم إسرائيلي ليعرف ماذا حدث في غزة؛ فقد عاشه تحت القصف. لكن «نازا» وغيره مهمون لأنهم ينقلون المواجهة إلى داخل السردية الإسرائيلية نفسها*.

المعركة المقبلة ليست فقط على ذاكرة ما حدث في غزة، بل على توصيفه ومحاسبة المسؤولين عنه. وحين تصبح الحقيقة موثقة بالصورة، وشهادة الضحية، والتحقيق الدولي، وحتى بصوت قادم من داخل المنظومة التي خاضت الحرب، تصبح حماية السردية القديمة أصعب بكثير من حماية الحدود.

هذه النسخة تجعل «نازا» دليلًا ضمن مسار انهيار السردية، وليس موضوع المقال الأساسي، وتضع «حقيقة غزة» في مركز الرؤية والحقيقة.

اخبار ذات صلة