قائمة الموقع

إبراهيم الناجي.. أبٌ كان لابنته "كل دنيتها" ورحل بعد أسبوع من الغيبوبة

2026-09-21T10:49:00+03:00
الشهيد إبراهيم الناجي
فلسطين أون لاين

لم يكن إبراهيم الناجي، الذي كان يعمل ضمن منظومة الأمن بغزة، في ذاكرة ابنته نور مجرد أب، بل كان "صاحبي وسندي وحبيبي وكل دنيتي"، كما تقول، في حين كانت هي بالنسبة له "الحب البكر" و"أول فرحة حياته" لكونها ابنته الكبرى التي تعلق بها مثلما تعلقت به.

كان يردد عليها دائمًا: "أنتِ أول ما شافت عيني، ويوم ما تروحي مني هيروح النور مني". وبعد رحيله، تستحضر نور هذه الكلمات وهي تتحدث عن والدها الذي لم ترَ فيه أبًا فحسب، وإنما رفيقًا وسندًا وملجأً في تفاصيل حياتها.

وتقول نور لصحيفة "فلسطين": إنها لا تعرف الكثير عن تفاصيل عمل والدها في المنظومة الأمنية، لأنه لم يكن يحدثهم عنها، لكنها تعرف أنه واصل العمل بالرغم من مخاطر الحرب والقصف والنزوح.

وتضيف: بعدما أجبرت الحرب أسرتها على النزوح بقي والدها وحده في شمالي قطاع غزة. كان يواجه أيامًا لا يجد فيها أحيانًا رغيفًا يأكله أو ماءً نظيفًا يسند به نفسه، ومع ذلك استمر، لأن "كل عمله كان في سبيل الله".

كان يذهب إلى بيوت الناس ليغلقها حتى لا تتعرض للسرقة، وبعضها كان يغلقه بالشوادر ويستر ما فيه حتى لا يأخذ أحد محتوياته. هكذا بقي يعمل بصمت، بعيدًا عن أسرته، التي لم تكن تعرف الكثير عما يفعله أو عن حجم المخاطر التي تحيط به.

آخر حديث

ظهر الخميس 7 مايو/ أيار 2026، اتصل إبراهيم بابنته نور ليطمئن عليها. كانت تستعد لحصة دراسية في منطقة النصر، غربي مدينة غزة، عند الثالثة عصرًا، وقد أخبرته أنها تريد أن تمر على صديقتها.

تقول نور إن والدها أجابها: "روحي الله يرضى عليكِ، وإن شاء الله تضلي مبسوطة، وشو بدك رني عليّ".

لم تكن تعرف أن هذه الكلمات ستكون آخر مكالمة تجمع صوتيهما.

وبعدها بقليل، عند الساعة 2:46 ظهرًا، قصفت طائرات الاحتلال والدها واغتالته. كانت نور في حصتها، لكنها شعرت بأن شيئًا ما حدث، قبل أن يخبرها أحد. اتصلت به فلم يجب، وهو أمر لم تعتده؛ إذ كان دائم الاطمئنان عليها، ويتصل بها باستمرار، حتى كل بضع دقائق.

وفي أثناء وجودها مع أستاذها، سمعت زوجته تتحدث عن قصف في المكان الذي كان فيه والدها، فقالت له: "بابا صار له شيء". ثم اندفعت باتجاه مستشفى الشفاء، من دون أن تعرف يقينًا ما إذا كان والدها قد أصيب.

وصلت إلى المستشفى وسألت عنه، وعندما دخلت وجدت أحد أعمامها بعدما وصل الخبر إلى العائلة.

أسبوع في الغيبوبة

لم يرحل إبراهيم في لحظة الاستهداف؛ بقي أسبوعًا مصابًا في المستشفى، ودخل في غيبوبة، قبل أن يتوفى في 13 مايو/ أيار الماضي.

كانت إصاباته بالغة؛ بُترت ساقاه، وأصيب بتهتك في يده اليمنى، وكسور في كلتا يديه وفي القفص الصدري، إلى جانب شظايا في الرئتين. أما الشظية التي استقرت في رأسه فظهرت كنقطة سوداء في الدماغ، قبل أن تتسبب لاحقًا بنزيف داخلي أدى لاحقًا إلى وفاته.

خلال الأسبوع الذي قضاه في المستشفى، لم ينطق إبراهيم بكلمة. وكانت الأسرة لا تحصل إلا على نحو ربع ساعة للزيارة، تذهب خلالها نور يوميًا وتقف إلى جواره.


 

أما نور، فكانت تضع رأسها على صدره، وتحدثه وتقرأ له القرآن والأذكار، وتردد الشهادة قرب أذنه: "بابا أنا نور، سامعني؟". وتقول إنها كانت الوحيدة التي لاحظت أنه يرمش بعينيه عندما تضع رأسها على صدره وتتحدث إليه.

وفي الوقت نفسه، كانت تواصل دراستها؛ تذهب صباحًا إلى حصص الثانوية العامة، ثم إلى المستشفى، ثم تعود إلى مراجعة دروسها. كان إبراهيم شديد الاهتمام بدراستها، وكان يريد منها نتيجة "ترفع رأسه".

وبعد نحو 20 يومًا من وفاته، تقدمت نور للامتحانات، وحصلت على معدل 93.6 بالمئة رغم الظروف الصعبة التي مرت بها.

كلمات سبقت الغياب

وكان إبراهيم قبل إصابته بيومين، خرج مع ابنته نور بعدما طلبت منه أن يقضي معها بعض الوقت. اشترى لها عباية، ومشى معها في شارع طويل واضعًا يده على كتفها. كان قد مرَّ قبل ذلك على مركزها التعليمي، وأوصى عليها معلمها قائلًا: "أنا أبوها في البيت وأنت أبوها في المركز، دير بالك عليها"، كما طلب من إدارة المركز التعليمي متابعة وضعها الدراسي.

وخلال سيرهما قال لها: "نور، إخواتكِ في رقبتكِ ليوم الدين"، وأضاف: "أنا ما بركنش على أحد في الدنيا قد ما بركن عليكِ".

استغربت نور من كلامه، فسألته عن سبب حديثه بهذه الطريقة، فأجابها: "يا بابا النفس المطمئنة لها الجنة، ومحدش بيعرف متى ساعته".

وفي أيامه الأخيرة، كثّف إبراهيم زياراته لأقاربه، فجمع إخوته، وجلس مع الجميع، والتقط الصور، ونام في بيوت بعضهم، وحاول جبر خواطرهم. تقول نور: إن "الأسرة أصبحت تشتاق إلى الجلوس معه لكثرة ما زياراته الاجتماعية".

وفي إحدى الليالي، أخبرها أن رأسه يؤلمه وأن قلبه مقبوض ويشعر بأن شيئًا سيحدث، ثم لجأ إلى قراءة القرآن. وعندما انتهى قال: "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها".

ثم قال لها: "أنا مش مطول"، وأضاف: "أنا بعد الـ40 ما فيش إلي عمر". وكان قد أتم الأربعين قبل نحو شهرين.


 

وتشير نور إلى أن والدها قبل إصابته طلب من عمه أن يحلق له، وحين أخبره أنه حلق له في اليوم السابق، أجاب: "بدي أروح أقابل ربي بنظيف، بدي الملائكة تستقبلني وأنا مهندم".

استحم، وصلى الظهر وقرأ القرآن، ثم قال لوالدته: "أنا رايح أتزوج". وتقول نور إن والدتها أخبرتها أنها للمرة الأولى قالت له من قلبها: "روح الله يسهل عليك، طريقك خضراء".

وقبل إصابته بيوم، قالت نور لوالدتها: "اليوم آخر يوم حنشوف بابا بالدار".

فجر 13 مايو/ أيار، عند الساعة 3:55، استشهد إبراهيم، وكان لهذا الخبر وقع مؤلم على زوجته وأبنائه وعموم عائلته.

وداع سريع

في اليوم التالي، وصل جثمان إبراهيم إلى الأسرة عند الساعة التاسعة والنصف صباحًا تقريبًا، لم يستغرق الوداع سوى دقائق، ثم صلى المشيعون عليه ودُفن خلال وقت قصير. وقالت نور إن "جنازته كانت سريعة".

ومنذ ذلك الوداع، بقيت في ذاكرتها تفاصيل لا تنساها؛ تقول: إن الجثمان كان باردًا جدًا، وتفوح منه رائحة المسك، وبقيت هذه الرائحة في البيت أسبوعًا كاملًا. أما القطعة التي كانت ترتديها لحظة وداع والدها، فتقول إن رائحة المسك ما زالت عالقة بها، ولذلك لم تغسلها.

ترك إبراهيم وراءه نور، الابنة الكبرى، وأختين وأخوين، لكن أثر رحيله امتد إلى الجميع؛ فشقيقها البالغ (12 عامًا) دخل مستشفى الشفاء ورأى والده داخل غرفة العمليات وهو مضرج بدمائه وقد بُترت ساقاه، وحين سأله الموجودون عن هويته قال: "أنا ابنه للي قاعدين بتخيطوا فيه". ومنذ ذلك اليوم، تقول نور، وهو يعيش الصدمة.

ومنذ رحيله، تقول نور: إن والدها يأتيها في المنام؛ يقف إلى جوارها، يسلم عليها ويحتضنها ثم يرحل".

اخبار ذات صلة