يشكل اتفاق بروتوكول باريس الاقتصادي نموذجاً للاتفاقيات الفاشلة التي عطلت نمو الاقتصاد الفلسطيني، وفق خبيرين اقتصاديين، في حين يعود ذلك الفشل إلى التقاء عرقلة الاحتلال الإسرائيلي مع غياب المبادرة الفلسطينية لتطوير الاتفاق وتحسين بنوده.
وتواجه الفرص الاقتصادية الفلسطينية في تحقيق النمو والتنمية المستدامة قيوداً مشددة من جراء التبعية المطلقة للاحتلال الإسرائيلي والممارسات المفروضة على الأرض، إذ يعد بروتوكول باريس جزءاً لا يتجزأ من اتفاق أوسلو، ووقع عام 1994 بدعوى تنظيم العلاقة الاقتصادية بين السلطة والاحتلال الإسرائيلي على أن ينتهي عام 1999.
ولا يعطي البروتوكول الفلسطينيين الفرصة في إصدار نقد خاص بهم، ما أدى إلى تحملهم كل أشكال التضخم التي تأتي مباشرة عبر السياسات النقدية الإسرائيلية، وجعل فرض الضرائب في الأراضي الفلسطينية يقترب إلى حد كبير من الضرائب الإسرائيلية في الوقت الذي يوجد فيه فرق كبير في الرواتب.
وفي هذا السياق، ينبه المختصون إلى أن بروتوكول باريس الأداة الأساسية لتكبيل الاقتصاد الفلسطيني وحرمانه من أي مقومات للتطور.
ويوضح الخبير الاقتصادي د. هيثم دراغمة أن حرمان الاستثمار الفلسطيني في مناطق (ج) — التي تضم الغالبية العظمى من الثروات والموارد — لمصلحة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، أجهض أي فرصة لبناء اقتصاد فلسطيني مستقل ومستدام.
ويضيف دراغمة لصحيفة "فلسطين" أن التبعية الإجبارية نتجت عنها أزمات هيكلية حادة، في مقدمتها أزمة تكدس عملة الشيكل في البنوك الفلسطينية، والسيطرة الإسرائيلية الكاملة على مصادر الطاقة كالوقود والكهرباء، وتقييد حرية التجارة والاستيراد المباشر من الخارج.
ويشير إلى ازدواجية التعامل مع الاتفاقيات الموقعة؛ إذ ترغم السلطة على الالتزام بالبنود التي تخدم مصالح الاحتلال، في حين يتنصل الأخير من التزاماته الأساسية، ومنها رفض استقبال فائض الشيكل من البنوك الفلسطينية.
وفيما يتعلق بالوضع في قطاع غزة، يؤكد أن سلطات الاحتلال أحكمت قبضتها الاقتصادية عقب تدمير المنشآت الصناعية والإنتاجية، وتحكمت بشكل كامل في حركة البضائع والسلع الأساسية، متحدثاً عن حصار مشدد يفرض على القطاع لا يسمح فيه بدخول سوى 3% فقط من احتياجات الوقود اليومية، وهو ما يعطل جميع مناحي الحياة والأنشطة الإنتاجية، محولاً الأراضي الفلسطينية برمتها إلى سوق استهلاكية قسرية للمنتجات الإسرائيلية.
كما أضرت هذه السياسات بالميزان التجاري الفلسطيني وأحدثت عجزاً كبيراً في صادراته، نظراً لأن عملية الاستيراد الفلسطينية لا تتسم بالحرية وجود قيود إسرائيلية على المنتجات المستوردة تحت ذرائع أمنية، فضلاً عن تقييد تصدير المنتجات الفلسطينية إلى الخارج، ما يؤكد الحاجة الماسة إلى راسمي سياسات اقتصادية ومالية قادرين على إخراج الاقتصاد من أزماته الآخذة في الاشتداد.
وتشكل "أموال المقاصة" ورقة ضغط اقتصادية تستخدمها سلطات الاحتلال سياسياً ضد الفلسطينيين، حيث لا يلتزم الاحتلال بتسليم ما جمعه كاملاً من تلك الأموال ويقرصن منها "ديونه" وما يُصرف من مخصصات لأسر الشهداء والأسرى.
وتُقدر أموال المقاصة شهرياً بنحو 188 مليون دولار، وتشمل الضرائب التي تفرضها سلطات الاحتلال على السلع الواردة للضفة والقطاع من الخارج، ومن ضريبة الدخل التي تحصلها من العمال الفلسطينيين الذين يعملون داخل دولة الاحتلال، إضافة إلى رسوم معاملات أخرى.
تعنت إسرائيلي
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي د. سمير الدقران إن البروتوكول في أصله كان يحمل بنوداً يمكن استثمارها لمصلحة الطرف الفلسطيني وتطويرها، إلا أن التعنت الإسرائيلي المستمر وحالة الجمود الفلسطينية حالتا دون تحقيق ذلك.
ويبين الدقران لصحيفة "فلسطين" أن "اللجنة الاقتصادية المشتركة"، التي ينص البروتوكول على عقد اجتماعاتها دورياً كل ستة أشهر لمراجعة البنود وتطويرها، عانت تعطّلا طويلا في اجتماعاتها، ما أدى إلى تعطيل المصالح الاقتصادية وتجميد الموارد، مشيراً إلى وجود ملفات استراتيجية معطلة كان يفترض للاتفاق أن يحميها ويطورها، وفي مقدمتها ملف الغاز الطبيعي الفلسطيني والتنقيب عنه في عرض البحر.
ويشدد على أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد إعاقة وتكبيل البروتوكول لخدمة مصالحه، في حين يتحمل الجانب الفلسطيني (السلطة) جزءاً من المسؤولية لعدم سعيه الحثيث والجاد لمواجهة هذه العرقلة وفرض تعديلات تخدم الاقتصاد الوطني. مضيفا أن بروتوكول باريس الاقتصادي لم يعد يصلح الآن، لأن بنوده صيغت لتوائم مدة خمس سنوات، بيد أن البروتوكول لم يُعدَّل أي من بنوده.
ويشير الدقران إلى أن مطالبات السلطة للاحتلال بتعديل 14 بنداً من بروتوكول باريس ووجهت بالرفض والمماطلة، مبنياً أن السلطة تطالب بإنشاء مناطق جمركية تخص الجانب الفلسطيني للتقليل من الاعتماد على الاحتلال الإسرائيلي في إيرادات المقاصة، ومد خط مباشر لنقل البترول ومشتقاته من دولة الاحتلال للسلطة لتوفير أموال النقل.