ثلاثة وثلاثون عامًا مرّت منذ وُضع اتفاق أوسلو بوصفه بوابةً لمرحلة انتقالية تقود الفلسطينيين، وفق وعودها المعلنة، نحو الدولة والاستقلال وإنهاء الاحتلال. السنوات لم تُنتج الدولة الموعودة بقدر ما راكمت واقعًا فلسطينيًا أكثر تعقيدًا: سلطةٌ بقيت عالقة في المنطقة الرمادية بين وظيفة الحكم وقيود الاحتلال، وأرضٌ تآكلت جغرافيًا وسياسيًا، واستيطانٌ تمدد على حساب احتمالات الحل، فيما تحوّل «المؤقت» إلى بنية سياسية شبه دائمة.
غير أن المفارقة الأكثر قسوة اليوم أن أزمة التأجيل لم تعد محصورة في الدولة وحدها؛ إذ يبدو أن الديمقراطية الفلسطينية نفسها دخلت غرفة الانتظار، فبعد ثلاثة عقود من أوسلو، تُطرح الانتخابات بوصفها استحقاقًا لتجديد الشرعية وتصحيح اختلالات النظام السياسي، ثم تصطدم مجددًا بمنطق التأجيل والتعطيل، وكأن الصندوق بات هو الآخر أسيرًا لـ«المرحلة الانتقالية» التي لم تنتهِ.
هنا يصبح السؤال: ماذا فعلت عقلية أوسلو بالسياسة الفلسطينية ذاتها؟ وهل تحوّل التأجيل من إجراء استثنائي إلى «منظومة تأجيل سياسي» تُبقي الدولة معلّقة، والشرعية مؤجلة، والديمقراطية رهينةً لحسابات اللحظة؟
أوسلو بعد 33 عامًا.. حين تحوّل «المؤقت» إلى نظام سياسي دائم
حين وُقّع إعلان المبادئ في سبتمبر/أيلول 1993، كان الفلسطينيون أمام مرحلة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات تقود، وفق النص، إلى تسوية دائمة. كان يفترض أن تُستكمل هذه المرحلة بحلول عام 1999، وأن تفتح الطريق أمام حل قضايا الوضع النهائي، لكن المفارقة التاريخية أن السنوات الخمس أنتجت «ديمومة انتقالية»؛ أي نظامًا سياسيًا بقي عالقًا في مرحلة يفترض أنها مؤقتة.
والأخطر أن أوسلو أعاد توزيع السيطرة بدل إنهاء الاحتلال، ففي اتفاق أوسلو الثاني عام 1995 قُسّمت الضفة إلى مناطق A وB وC، وبقيت المنطقة C، التي تشكل نحو 60% من الضفة، تحت السيطرة الإسرائيلية المدنية والأمنية، وكان يفترض أن يكون هذا الترتيب مؤقتًا وينتهي مع التسوية النهائية، لكنه بقي قائمًا.
أما الاستيطان، فقد قدم أوسلو واحدة من أكثر مفارقاته قسوة: ففي 1993 كان عدد المستوطنين في الضفة والقدس الشرقية نحو 250 ألفًا، بينما بلغ نحو 700 ألف بنهاية 2023 وفق تقرير أممي.
وهكذا انتقل الفلسطينيون من انتظار الدولة إلى إدارة غيابها، ومن «مرحلية التحرير» إلى «تأبيد المرحلة»؛ وهي النتيجة الأكثر كارثية في إرث أوسلو: أن يصبح المؤقت أكثر رسوخًا من الدائم.
كيف أعاد أوسلو تشكيل النظام السياسي الفلسطيني؟
أحد أكثر آثار أوسلو عمقًا أنه أنشأ سلطة فلسطينية تمارس وظائف الحكم دون أن تمتلك مقومات السيادة، فقد نص الاتفاق على إنشاء سلطة حكم ذاتي انتقالية منتخبة، بينما أبقى لـ "إسرائيل" مسؤوليات أمنية واسعة، بما في ذلك الأمن الخارجي وأمن الصهاينة والمستوطنات.
هنا نشأت معادلة «شرعية الوكالة»: سلطة تدير السكان، لكنها لا تملك الأرض؛ تصدر القرارات، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على الحدود والموارد والحركة؛ وتمارس وظائف الدولة، بينما تظل الدولة نفسها مؤجلة. ومع تقسيم الضفة إلى مناطق متعددة الصلاحيات، تحولت الجغرافيا السياسية إلى «سيادة مجزأة» بدل السيادة الوطنية المتصلة.
الأرقام تكشف حجم المعضلة: عند نهاية عام 2000 كانت منطقة A لا تتجاوز نحو 18.2% من الضفة، وB نحو 21.8%، بينما ظلت منطقة C عند نحو 60% وفق بيانات الأمم المتحدة.
ومع انهيار مسار التسوية وتصاعد الانقسام الفلسطيني، تآكلت قدرة النظام السياسي على إنتاج شرعية جامعة، فالانتخابات التشريعية الأخيرة جرت في 25 يناير/كانون الثاني 2006، ومنذ ذلك التاريخ لم تُستكمل دورة منتظمة لتجديد المجلس التشريعي عبر انتخابات عامة.
وهكذا أصبح النظام الفلسطيني محكومًا بـ«شرعية التراكم» بدل شرعية التجديد؛ أي أن شرعية الأمس تستمر في العمل سياسيًا رغم تغير الظروف التي أنتجتها.
الديمقراطية المؤجلة.. عندما يصبح الاستحقاق الانتخابي ضحيةً لمنطق التأجيل
إذا كان أوسلو قد وعد بانتقال سياسي مؤقت يقود إلى التسوية، فإن أزمة الانتخابات تكشف وجهًا آخر من «منطق التأجيل»: كلما اقترب الاستحقاق من لحظة الاختبار الحقيقي، ظهرت شروط جديدة تجعل الديمقراطية رهينةً للظرف السياسي.
والتجربة الأوضح كانت عام 2021. فقد صدر المرسوم الرئاسي في يناير/كانون الثاني لتُجرى الانتخابات التشريعية في 22 مايو، والرئاسية في 31 يوليو، وبدأت العملية فعليًا، وانتهت مرحلة الترشح، ثم تقرر في 30 أبريل/نيسان وقف العملية وتأجيل الانتخابات إلى حين توافر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس.
المفارقة أن الاحتلال كان حاضرًا فعلًا في معادلة القدس؛ إذ أكدت لجنة الانتخابات أن ترتيبات الاقتراع في القدس كانت تحتاج إلى موافقة إسرائيلية، وأن نحو 150 ألف ناخب مقدسي كان متوقعًا أن يصوتوا في أحياء المدينة، بينما كانت ستة مكاتب بريد تستوعب نحو 6,300 ناخب وفق الترتيبات السابقة.
لكن الدرس السياسي يكمن في السؤال الذي تركته التجربة: هل نواجه عائق الاحتلال بالبحث عن آلية انتخابية بديلة، أم نسمح للعائق بأن يتحول إلى مفتاح لتعليق الاستحقاق؟
ومن هنا أسمي هذه الحالة «تعطيل الشرعية بالصندوق المغلق»: حين يصبح عدم القدرة على ضمان انتخابات مثالية مبررًا لعدم إجراء انتخابات أصلًا.
واليوم، بينما حُددت الانتخابات التشريعية المقبلة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، يصبح الاختبار أكثر حساسية: هل تنجح السياسة الفلسطينية في كسر إرث التأجيل، أم تعود «العُقدة الانتخابية» لتنتج نسخة جديدة من الديمقراطية المؤجلة؟
ما بعد أوسلو.. هل يحتاج الفلسطينيون إلى إعادة تأسيس النظام السياسي لا إعادة تدويره؟
بعد 33 عامًا، لم تعد المشكلة الفلسطينية مجرد فشل اتفاق في الوصول إلى غايته؛ فالمشكلة الأعمق هي أن منظومة أوسلو تحولت من اتفاق مؤقت إلى طريقة لإدارة السياسة الفلسطينية، ولذلك فإن تجاوز نتائجه لا يكون بإعادة إنتاج السلطة بالآليات ذاتها، ولا بتدوير الوجوه داخل البنية نفسها، ولكن بإعادة تأسيس العلاقة بين الشعب والسلطة والشرعية والمشروع الوطني.
المطلوب أولًا هو تحويل الانتخابات من «موسم سياسي» إلى قاعدة دائمة لتجديد الشرعية، فالمجلس التشريعي لم يُنتخب منذ 2006، وتجربة 2021 أثبتت أن مجرد إصدار مرسوم انتخابي لا يكفي إذا بقيت العملية قابلة للتعليق عند أول أزمة.
والمطلوب ثانيًا إعادة توحيد النظام السياسي والمؤسسات على أساس تمثيل فلسطيني شامل، لا على أساس الانقسام الجغرافي بين غزة والضفة، وثالثًا إعادة تعريف وظيفة السلطة بحيث لا تبقى محكومة فقط بإدارة السكان والخدمات، وإنّما تصبح جزءًا من مشروع وطني واضح يواجه الاحتلال، بدل أن تتحول إلى «إدارة للانتظار السياسي».
أما الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، فهي اختبار لقدرة النظام السياسي على كسر «حلقة الشرعية المؤجلة».
والسؤال بعد أوسلو أصبح: هل يستطيع الفلسطينيون أولًا أن يعيدوا بناء نظام سياسي قادر على إنتاج شرعية حقيقية؟
لأن الدولة التي تأجلت 33 عامًا لا يمكن أن تُبنى بمؤسسات ديمقراطيتها مؤجلة؛ وإلا سنكون أمام إعادة تدوير لأوسلو بأدوات فلسطينية جديدة، لا أمام الخروج من إرثه.
ختامًا.. ثلاثة وثلاثون عامًا كانت كافية ليتضح أن أوسلو كان ممرًا طويلًا إلى التأجيل؛ تأجلت الدولة، وتمدد الاحتلال، وتضاعف الاستيطان، وتآكلت السيادة، ثم امتد التأجيل ليطال الديمقراطية ذاتها.
اليوم، لم يعد المطلوب ترميم أوسلو ولا إعادة تدوير أدواته، ولكن كسر منطقه: لا دولة بلا سيادة، ولا شرعية بلا صندوق، ولا نظام سياسي بلا تداول حقيقي للسلطة.
فإذا كان أوسلو قد جعل الدولة وعدًا مؤجلًا، فلا يجوز أن تجعل القوى السياسية الانتخابات حقًا مؤجلًا.
آن أوان إغلاق دفتر «المرحلة الانتقالية»؛ ففلسطين لا تحتاج إلى سلطة تنتظر الدولة، ولا إلى ديمقراطية تنتظر الإذن؛ فلسطين تحتاج إلى إرادة سياسية تنهي زمن التأجيل.