قائمة الموقع

من تدمير الأرض إلى إنهاك المزارع.. غزة تفقد سلتها الغذائية

2026-09-15T11:57:00+03:00
من تدمير الأرض إلى إنهاك المزارع.. غزة تفقد سلتها الغذائية
فلسطين أون لاين

على أرض مساحتها خمسة دونمات، كان المزارع أبو رامي التعبان، البالغ من العمر 65 عاماً، يزرع أصنافاً مختلفة من البندورة والفلفل والخيار، لكن ارتفاع تكاليف الإنتاج أجبره على التوقف عن زراعة أرضه.

يقول التعبان لصحيفة "فلسطين" إن أسعار لوازم الإنتاج ارتفعت بشكل كبير، بدءاً من المبيدات الزراعية والمواد اللازمة للإنتاج، وصولاً إلى النايلون المستخدم في تغطية البيوت البلاستيكية، إلى جانب ارتفاع تكلفة المياه.

ويضيف أن الارتفاعات رفعت كلفة الزراعة إلى مستويات لم تعد معها العملية الإنتاجية مجدية اقتصادياً، موضحاً أن ارتفاع المصاريف مقارنة بأسعار بيع المحاصيل لم يعد يوفر هامش ربح مناسباً.

ويقول التعبان إن الظروف أجبرته في نهاية المطاف على التوقف عن الزراعة، بالرغم من ارتباطه بالأرض واعتماده عليها مصدرا للدخل.

ولا يواجه القطاع الزراعي في قطاع غزة تحديات مرتبطة بالدمار الذي خلفته الحرب فحسب، بل تتسع الأزمة لتشمل صعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص لوازم الزراعة، الأمر الذي يرغم معظم المزارعين على التوقف عن العمل، ويهدد بتراجع ما تبقى من القدرة الإنتاجية المحلية وما يرتبط بها من أمن غذائي ومصادر دخل لآلاف الأسر.

وحذّر المدير العام السابق للتخطيط والسياسات في وزارة الزراعة بغزة م. نزار الوحيدي خلال لقاء "نبض غزة" الذي نظمته صحيفة "فلسطين" أخيرا من استمرار انهيار القطاع الزراعي في قطاع غزة بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، مشيرًا إلى أن أكثر من 90% من الأراضي الزراعية خرجت عن الخدمة، في حين تراجع الإنتاج السنوي من نحو 450 ألف طن قبل الحرب إلى أقل من 30 ألف طن حاليًا.

تداعيات خطيرة

من جانبه، يحذّر المختص الاقتصادي محمود العف من التداعيات الخطيرة لتراجع القطاع الزراعي في قطاع غزة، عادا أن انخفاض القدرة الإنتاجية المحلية يمثل مؤشراً على تراجع أحد أهم مصادر الصمود الغذائي للسكان، ويزيد من اعتماد أكثر من مليوني مواطن على المساعدات وحركة المعابر والتجارة الخارجية.

ويقول العف لصحيفة "فلسطين" إن تراجع إنتاج الخضراوات والحبوب والأعلاف يعني أن أهالي القطاع سيصبحون، على المدى الطويل، أكثر ارتباطاً بالمساعدات وبفتح المعابر، محذراً من أن أي توقف أو انخفاض في تدفق المساعدات قد يؤدي إلى تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي وارتفاع مخاطر المجاعة.

ويوضح أن خطورة الوضع لا تقتصر على فقدان إنتاج موسم زراعي واحد، وإنما تمتد إلى تدمير البنية التحتية الزراعية، بما يضعف قدرة القطاع على استعادة إنتاجه حتى بعد انتهاء الحرب، ما لم ينفذ برنامج واسع وطويل الأمد لإعادة تأهيل القطاع الزراعي.

ويشير العف إلى أن دخول كميات كافية من السلع والمواد الغذائية إلى القطاع لا يعوض بشكل كامل فقدان الإنتاج المحلي، موضحاً أن تراجع إنتاج الخضروات والفواكه والحبوب سيؤدي إلى انخفاض التنوع الغذائي، فضلاً عن ارتفاع الأسعار مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مع ضعف القدرة الشرائية للسكان نتيجة فقدان مصادر الدخل واعتماد نسبة كبيرة منهم على المساعدات المالية والعينية.

ويؤكد أن الزراعة لا تمثل مصدراً للغذاء فحسب، بل تشكل أيضاً مصدر دخل رئيساً لآلاف الأسر في غزة، سواء للعاملين في الزراعة بشكل مباشر أو للعاملين في أنشطة البيع والنقل والخدمات المرتبطة بها.

ويحذّر العف من أن تدمير القطاع الزراعي يعني فقدان هذه الأسر لمصادر دخلها وفرص تشغيلها، مضيفاً: "ضعف أو انعدام الإنتاج الزراعي لا يعوضه دخول المساعدات ولا البضائع".

ويشدد على أن معالجة الأزمة تتطلب استعادة القدرة الإنتاجية المحلية، وليس الاكتفاء بتوفير المواد الغذائية للسكان.

وبشأن متطلبات إعادة بناء القطاع الزراعي، يقول العف إن المهمة تبدو بالغة الصعوبة مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من قطاع غزة، ولا سيما المناطق الشرقية التي كانت تشكل قبل الحرب جزءاً أساسياً من سلة الخضار للقطاع.

ويشير إلى أن الأضرار لم تقتصر على المناطق الزراعية الواقعة في الأطراف، بل طالت أيضاً مساحات زراعية داخل المناطق المأهولة، في حين تحولت مساحات أخرى إلى مخيمات للنازحين نتيجة ضيق المساحات المتاحة، وهو ما يزيد من صعوبة استعادة الأراضي الزراعية وظيفتها الإنتاجية.

ويؤكد أن إعادة إنعاش الزراعة في غزة تحتاج إلى برنامج تنموي شامل وطويل الأمد، يبدأ بتوفير الظروف اللازمة للوصول إلى الأراضي الزراعية، وإزالة الركام ومخلفات الحرب، وإعادة تأهيل التربة، وإصلاح شبكات ومصادر المياه وحفر الآبار، إلى جانب توفير لوازم الإنتاج ودعم المزارعين.

ويشدد على أن المطلوب ليس مجرد توزيع البذور أو تقديم مساعدات زراعية مؤقتة، وإنما تنفيذ خطة متكاملة ترعاها المؤسسات الدولية لإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية واستعادة قدرة المزارع على الإنتاج، بما يضمن تعزيز الأمن الغذائي وتقليل اعتماد سكان القطاع على المساعدات الخارجية على المدى الطويل.

وتأتي هذه التحذيرات بعد تقييم جغرافي أجرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) بالتعاون مع مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) مؤخرا.

وبحسب التقييم، بلغت مساحة الأراضي الزراعية المتاحة للوصول حتى 24 يونيو/حزيران 2026 نحو 4,091 هكتاراً، أي 27% من إجمالي الأراضي الزراعية، لكن 448 هكتاراً فقط كانت متاحة وسليمة في الوقت نفسه، بينما تعرضت 3,643 هكتاراً لأضرار وتحتاج إلى إعادة تأهيل.

وأظهرت البيانات تراجع الأراضي المتاحة والسليمة من 601 هكتار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى 448 هكتاراً، بخسارة بلغت 25.5%، مع تسجيل دير البلح وخان يونس أكبر الانخفاضات.

وأشارت الفاو إلى أن تراجع إمكانية الوصول إلى الأراضي، وليس زيادة الأضرار المادية، كان العامل الرئيسي وراء انخفاض المساحات الزراعية المتاحة.

وتتصدر رفح المناطق الأكثر صعوبة في الوصول، مع تعذر الوصول إلى 97.2% من الأراضي الزراعية و98.4% من البيوت البلاستيكية.

كما يواجه المزارعون نقصاً حاداً في البذور والأسمدة ومعدات الري والوقود، بينما يعاني مربو الثروة الحيوانية من نقص الأعلاف والمستلزمات البيطرية.

واقع بالغ الصعوبة

في السياق، يقول المسؤول في  لجنة الطوارئ الزراعية العليا ماجد شاهين إن التقييم الجغرافي المكاني الأخير الصادر عن الفاو وUNOSAT يعكس واقعاً بالغ الصعوبة يعيشه القطاع الزراعي في قطاع غزة، مشيراً إلى أن 3% فقط من الأراضي الزراعية باتت غير متضررة وقابلة للوصول.

ويوضح شاهين لصحيفة "فلسطين" أن النسبة تمثل تراجعاً مقارنة بالتقييم الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، مع استمرار القيود على وصول المزارعين إلى أراضيهم، إلى جانب الصعوبات الكبيرة في توفير لوازم الإنتاج الزراعي الأساسية.

ويقول إن هذه المعطيات تؤكد أن أزمة الزراعة في غزة لم تعد مرتبطة بالدمار وحده، وإنما أصبحت أيضاً أزمة وصول وإنتاج واستدامة، وهو ما يتطلب تدخلاً منظماً ومتدرجاً يعيد للقطاع الزراعي قدرته على الإنتاج ويحمي سبل عيش المزارعين.

ويؤكد شاهين أن مسار التعافي الزراعي يجب أن يقوم على ضمان الوصول الآمن والمستدام للمزارعين إلى أراضيهم، وتيسير دخول لوازم الإنتاج الزراعي الأساسية، بما يشمل البذور والأسمدة ومعدات الري والوقود، إلى جانب إعادة تأهيل الأراضي والبيوت والمنشآت الزراعية المتضررة.

ويشير إلى ضرورة إيلاء الثروة الحيوانية اهتماماً خاصاً من خلال توفير الأعلاف والمستلزمات البيطرية واللقاحات وخدمات صحة الحيوان، ودعم إعادة تأهيل القطعان المتضررة.

ويشدد شاهين على أهمية دعم المزارعين للعودة إلى الإنتاج واستعادة سبل عيشهم، وتوجيه الاستثمارات نحو استعادة القدرة الإنتاجية وتعزيز الأمن الغذائي المحلي، مؤكداً أن التعافي الزراعي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد استجابة لاحتياج إغاثي طارئ.

ويقول: "التعافي الزراعي هو استثمار في الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي، وفي صمود الإنسان الفلسطيني وقدرته على استعادة حياته وإنتاجه."

ويضيف أن وراء كل رقم في التقييم حكاية إنسان، مزارع ينتظر أن يعود إلى أرضه، مؤكداً أن الزراعة في غزة ليست مجرد أرقام ومساحات وإنتاج، بل هي حياة وذاكرة وكرامة، وعلاقة عمر بين الإنسان وأرضه.

ويؤكد شاهين أن دعم الزراعة اليوم هو في جوهره دعم للإنسان ولحقه في الحياة والعمل والإنتاج بكرامة، داعياً إلى حشد الجهود المحلية والدولية لدعم القطاع الزراعي وتمكين المزارعين من استعادة أراضيهم ودورتهم الإنتاجية.

اخبار ذات صلة