قائمة الموقع

العقيد نسيم الكلزاني.. عقدان بين مكافحة المخدرات وحماية المجتمع

2026-09-13T13:22:00+03:00
العقيد الشهيد نسيم الكلزاني
فلسطين أون لاين

لم يكن محمود حسن يتخيل أن سنوات مرافقة العقيد نسيم الكلزاني ستنتهي بمشهد غياب لا يشبه كل ما سبقه.

أربعة أعوام أمضاها إلى جواره، يتنقلان بين المهام الأمنية، ويتابعان الملفات والقضايا، ويعودان معًا بعد يوم عمل طويل، قبل أن تنقطع تلك المرافقة باستهداف مركبة الكلزاني في غارة إسرائيلية في مايو/ أيار الماضي، لتتحول الذكريات اليومية إلى شهادة عن رجل عرفه حسن من قرب.

يقول حسن، الذي عمل في إدارة مكافحة المخدرات في دائرة المعابر والموانئ لصحيفة "فلسطين": إنه رافق الكلزاني منذ التحاقه بالدائرة وحتى لحظة استشهاده، واصفًا إياه بأنه "مدير وقائد حقيقي جمع بين الحزم في العمل والتواضع في التعامل، وكانت الابتسامة، وفق شهادته، لا تفارق وجهه".

وكان العقيد نسيم الكلزاني يبلغ من العمر (56 عامًا)، ويحمل إلى جانب الجنسية الفلسطينية الجنسية الأردنية، وفق المعلومات التي قدمها مرافقه. وامتدت خدمته الحكومية لنحو عقدين، تدرج خلالها في مواقع عدة داخل جهاز مكافحة المخدرات، قبل أن يتولى إدارة دائرة المعابر والموانئ.

مسيرة بدأت من مكافحة المخدرات

بحسب حسن، بدأ الكلزاني عمله الحكومي منذ تشكيل الحكومة الفلسطينية العاشرة برئاسة رئيس الوزراء الشهيد اسماعيل هنية آنذاك، وكان من مؤسسي جهاز مكافحة المخدرات.

تولى في بدايات مسيرته إدارة التحري المركزي على مستوى قطاع غزة، ثم شغل منصب نائب مدير فرع خان يونس، متنقلًا بين العمل في التحري والفروع الأمنية.

وفي عام 2018، أصبح مديرًا لمكافحة المخدرات في خان يونس، وهو الموقع الذي يقول حسن إنه تعامل خلاله بحزم مع مروجي المخدرات وأوكارها، قبل أن ينتقل عام 2022 إلى دائرة المعابر والموانئ، إذ واصل عمله حتى استشهاده.

ويصف حسن نمط حياة الكلزاني بأنه لم يكن يعرف كثيرًا من الراحة. فقبل الحرب، كان يبدأ عمله قرابة الثامنة صباحًا، حتى الرابعة عصرًا، ثم يستأنف مهامه مساءً حتى ساعات متأخرة من الليل، قد تمتد أحيانًا إلى الواحدة أو الثانية أو الثالثة فجرًا.

أما خلال الحرب، فكان يبدأ عمله قرابة التاسعة صباحًا حتى المساء، وفق مقتضيات الظروف الأمنية والميدانية.

عين على التهريب

مع الحرب وتغير طرق التهريب، وجد الكلزاني نفسه أمام ملفات أمنية أكثر تعقيدًا، خصوصًا التهريب باستخدام الطائرات المسيّرة.

ويقول حسن: إن مسؤولية الكلزاني عن دائرة المعابر والموانئ جعلته يتابع هذا النوع من التهريب، وإنه كان يتعامل مع المعلومات الواردة إليه باعتبارها خيوطًا تحتاج إلى متابعة وتحقيق حتى الوصول إلى المشتبه بهم.

ومن بين أبرز الملفات التي أشرف عليها، وفق رواية مرافقه، عملية ضبط كبيرة جرت قبل مقتله بشهرين، وأسفرت عن مصادرة 220 فرش حشيش و1500 شريحة اتصال و220 كروز دخان.

ويقول حسن: إن العملية سبقتها متابعة ومراقبة استمرت فترة من الزمن، وانتهت بضبط المواد وتحريزها وإحالة القضية إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات القانونية.

رجل المهمات والناس

لكن صورة الكلزاني، كما يرسمها مرافقه، لم تكن أمنية فقط. خلف المسؤول الذي كان يتابع ملفات المخدرات والتهريب، كان هناك رجل يضع، بحسب حسن، احتياجات العاملين وأسر الشهداء في مقدمة اهتماماته.

يقول حسن: إن الكلزاني كان يتعامل مع الناس جميعًا بالطريقة نفسها، من المسؤول إلى المواطن البسيط، وحتى الأطفال الذين كانوا يقصدونه لقضاء حاجة.

وكان ملف أسر الشهداء، بحسب شهادة مرافقة حسن، من أكثر الملفات التي تشغله، خصوصًا أسر شهداء مكافحة المخدرات والأجهزة الشرطية. كان يتابع، وفق حسن، تأخر الرواتب والمساعدات والطرود، ويسعى إلى سد أي نقص يصل إلى علمه.

"كان همه الدائم ألا تحتاج أسر شهداء الداخلية لأي شيء"، يقول حسن.

العمل حتى اللحظة الأخيرة

وبحسب رواية حسن، لم يتوقف نشاط الكلزاني خلال الحرب، بل واصل متابعة الملفات الأمنية، بما فيها مواجهة المخدرات وملاحقة مجموعات مسلحة يقول حسن إنها: كانت تنشط خلف ما يعرف بـ"الخط الأصفر".

ويضيف أن الكلزاني كان في الفترة الأخيرة من حياته يشارك في ترتيبات تتعلق بتسليم شحنات مخدرات، إلى جانب اتصالات هدفت، وفق روايته، إلى إقناع أفراد من مجموعات مسلحة بتسليم أنفسهم وأسلحتهم.

ويقول حسن: إن هذه التحركات، بحسب المعلومات التي وصلت إليه، ارتبطت بعملية استهداف الكلزاني، الذي كان عضوًا في لجنة أمنية تتابع ملف تلك المجموعات.

وفي مايو/ أيار الماضي، استُهدفت مركبة العقيد الكلزاني بمواصي خان يونس بغارة إسرائيلية، ما أدى إلى استشهاده، لتتوقف بذلك مسيرة امتدت لنحو عشرين عامًا من العمل الأمني.

فقد ابنه ولحق به

لم تكن خسارة الكلزاني لعائلته مرتبطة باستشهاده وحده، فقد سبق أن فقد ابنه مجدي، الذي يقول حسن إنه استشهد قبل نحو عام وشهر من استشهاد والده، في أثناء مشاركته في التصدي لمجموعة حاولت اقتحام مستشفى ناصر، وكان يبلغ من العمر نحو (26 عامًا).

وهكذا وجدت أسرة الكلزاني نفسها أمام فقدين متتاليين؛ ابن رحل أولًا، ثم الأب الذي واصل، بالرغم من ذلك، أداء مهامه حتى أيامه الأخيرة.

وتتكون الأسرة، وفق حسن، من زوجة وابن وخمس بنات، فيما يصف وضعها بعد استشهاد الأب بأنه "صعب جدًا"، شأنها شأن كثير من أسر الشهداء في قطاع غزة.

بالنسبة للمرافق حسن، لم يكن رحيل الكلزاني مجرد فقدان لمسؤول أمني، بل كان غياب لرجل ترك أثرًا في كل من عملوا معه.

ويضيف أن وزارة الداخلية وجهاز مكافحة المخدرات فقدا قائدًا يصعب تعويضه، لأنه، في نظره، لم يكن مديرًا فقط، بل كان مربيًا وأبًا لمن حوله، حريصًا على أفراده وضباطه، ولم يتخلَّ عن أحد منهم في الظروف الصعبة.

ويتذكر حسن أيضًا جانبًا آخر من شخصية الكلزاني، كما كان يُعرف، إذ كان يخصص جزءًا من ساعات الليل للذكر والتدبر، ويبقى مستيقظًا حتى صلاة الفجر قبل أن يخلد إلى النوم.

وبعد أربعة أعوام من المرافقة، لا يستعيد حسن من الكلزاني فقط صور المسؤول الذي كان يلاحق ملفات المخدرات والتهريب، بل صورة الرجل الذي كان، كما يقول، يضع الآخرين قبل نفسه.

وفي النهاية، تبقى وصيته لأفراده كما يتذكرها مرافقه، أن يكون بعضهم إلى جانب بعض، وأن يقفوا مع الناس في أصعب الظروف، وألا يتخلوا عن أحد.

اخبار ذات صلة