فرضت ظروف الحرب على أطفال غزة أداء أدوار لم يعتادوا عليها، سواء في استمرار العيش داخل خيمة منذ نحو ثلاث سنوات تفتقر لأدنى مقومات المأوى، وتمتلئ بالحشرات والقوارض ما سبب لهم أمراضا مختلفة، أو في تعبئة المياه والوقوف في طابور تكية الطعام أو الخبز، وكذلك جلب طرود المساعدات.
وأصبحت مواعيد حضور شاحنات مياه الشرب التي توزع على مخيمات الإيواء وتكايا الطعام، ضمن جداول المهام اليومية المطلوبة من العائلات التي تتشارك في هذه الأعمال خاصة فئة الأطفال الذين بات الكثير منهم يحملون على عاتقهم مسؤولية جلب المياه والوقوف في طابور تكية الطعام.
بمجرد أن تصطف شاحنة المياه أمام بوابة المخيم، ينبه الأطفال بأصوات مرتفعة مرددين: "مية حلوة ببلاش" أو "التكية جاهزة". يحضر الأطفال جالونات المياه الصغيرة ويبدؤون في نقلها لداخل الخيام ثم إحضار قِرب وجالونات أخرى.
وخلال نقل المياه يمشي الأطفال بخطى متثاقلة من الوزن الذي يحملونه ويفوق قدرتهم، فيتوقفون للراحة أو يسقط بعضهم ثم يكملون المهمة نحو الخيمة، في عملية يومية شاقة يعانون بسببها، خاصة عندما يكون رب الأسرة مصابا أو مريضا أو شهيدا، ويكون الطفل هو أكبر أفراد العائلة، فيحمل هذه المسؤولية كاملة.
وعندما ينتهي الطفل من طابور المياه الذي يكون في الغالب في الصباح الباكر، يذهب للوقوف في طابور تحت أشعة الشمس أمام التكية ويتحمل التدافع لأجل العودة بطبق طعام، إذ باتت هذه التكايا الملاذ الأخير للكثير من العائلات التي تعيش بلا مصدر دخل ثابت، وبين هذه الفترات يذهب للوقوف على طابور الخبز، ما يؤثر في عملية انتظامه المدرسي.
استراحة للعب
في ممر يفصل بين الخيام في أحد المخيمات الواقعة بحي الزيتون جنوب مدينة غزة، ويضم المخيم نحو 500 عائلة، كان الطفل يوسف إبراهيم الحصري (12 عاما) يلعب مع أصدقائه لعبة الكرات الزجاجية التي يطلقون عليها شعبيا اسم "جلول"، وذلك بعد إتمام المهام السابقة، وقد وجدوا وقت فراغ عند ساعات الظهيرة، تظهر آثار التعب على ملامحهم، وملابسهم المبللة بعد تعبئة المياه الحلوة من الشاحنات.
وبالرغم من صغر سن الطفل الحصري فإن نبرته وطريقة حديثه تعطيانه عمرا أكبر من عمره، ويحكي لصحيفة "فلسطين" بملامح داكنة نتيجة التعرض الدائم للشمس: "هربنا من حر الخيمة للعب في ساحة الممر الفاصل بين الخيام، وهذه اللعبة الوحيدة التي يمكن لنا أن نلعبها، فلا يوجد هناك ملاعب لكرة القدم، أو للركض، كما أنني لا أستطيع تحمل حرارة الخيمة في هذا الوقت، وعندما يرتفع صوتنا يطلب منا الأهالي الابتعاد عن الخيام لوجود كبار بالسن ونطرد من مكان لآخر".
وإضافة لشكاوى الطفل من طابور التكية الطويل الذي يضطر يوميا للوقوف فيه، يشتكي من نوعية الطعام المتكرر، بنبرة مليئة بالاستياء يقول: "سئمنا من تكرار الأرز والعدس والمعكرونة، نريد شيئا جديدا أو قطعا من اللحم، نريد خضارا وفواكه هذه أشياء لم نحصل عليها منذ فترة طويلة".
وأضاف: "نصف ساعة وأنت تقف في الطابور والشمس تضرب في رأسك. أنا أكبر إخوتي من الذكور والأعباء علي ووالدي يساعدني. طوال الحرب ونحن نتنقل من مكان لآخر".
وتؤثر حياة المخيمات في الصحة العامة للأطفال فالكثير منهم أصيبوا بأمراض جلدية، وهو ما كان واضحا على آثار بقع جلدية في جسد الحصري على شكل آثار دمامل تشبه الحروق.
عملية مرهقة
بقربه يقف الطفل جهاد يوسف الداية، الذي يحاول الابتعاد عن حرارة الشمس مستظلا بظل خيمة، بملابسه المبللة بعد معركة خاضها الطفل الصغير في تعبئة جالونات مياه، ويقول بصوت مرهق لصحيفة "فلسطين": "عبأت جالون مياه بسعة 20 لترا وقربتي مياه. تعبئة المياه متعبة فكل يوم يجب أن أصطف في طابور المياه حتى تستخدمها أمي لغسل الأواني والملابس".
"بنهد، بموت منهم!" .. بهذا التعبير العفوي يختصر معاناته اليومية في تعبئة المياه، وهي ظروف فرضتها الإبادة وليس عائلاتهم، إذ وجد الطفل نفسه الوحيد القادر على هذه المهمة، وهناك عائلات تتحمل الطفلات الإناث هذه المسؤولية لصغر إخوتهن الذكور في حال إصابة أو مرض الأب أو استشهاده.
وتخلو المخيمات من أي مساحات واسعة للعب الألعاب المعروفة والمحببة للأطفال ككرة القدم إلا بشكل محدود، عبر توفير خيمة للدعم النفسي أو الأنشطة الترفيهية.
وقبل أن ينخرط أنور عياد في لعب الكرات الزجاجية "الجلول" مع الأطفال، تدفقت المياه من وصلات مياه بلاستيكية تتمدد بين الخيام وكان تدفقها ضعيفا ما جعله يترك اللعبة ويذهب لتعبئة جالونات مياه لعائلته، وفي هذه الحالة يستغرق تعبئة الدلو الواحد فترة أطول مقارنة بتعبئة المياه من خلال شاحنة توزيع المياه.
وتؤثر هذه المهام في انخراط الأطفال في الدراسة والتعليم. يقول الطفل محمد أبو عيسى، إن الأهالي يطلبون منهم أحيانا تعبئة المياه وجلب الطعام في مواعيد الذهاب للدراسة، ما يعكس أن التعليم لم يعد الأولوية لدى بعض العائلات التي طحنتها الحرب وباتت تبحث كل يوم عن المياه والطعام لسد عطش وجوع أبنائهم، إذ تعد التكية أو شاحنة المياه الفرصة الوحيدة لجلب الطعام لهم، ما يستدعي من الأطفال الغياب عن المدارس.
ويضطر الأهالي الذين يدرس أبناؤهم في نقاط تعليمية داخل نطاق المخيم أحيانا إلى إخراج الطلاب من الفصول التعليمية لتعبئة المياه ثم إعادتهم للدراسة بعد انتهاء المهمة، ما يعكس صعوبة الحياة التي تواجهها العائلات والتي أصبح فيها الأطفال أحد أهم العناصر المواجهة للظروف الصعبة، وجعلهم يخوضون تجربة حياة استثنائية كبروا فيها على المعاناة والفقر والجوع والقصف المستمر.
مسؤوليات تفوق الأعمار
ووفق المختصة في المجال التربوي والنفسي دكتور ختام أبو عودة فإن انخراط الأطفال في البحث عن الطعام والمياه والخبز والوقوف في الطوابير للحصول على المساعدات، حمّلهم مسؤوليات تفوق أعمارهم، وحرمهم من عيش طفولتهم بصورة طبيعية.
وتضيف أبو عودة لصحيفة "فلسطين" أن تكرار مشاهد الازدحام والصراع للحصول على الاحتياجات الأساسية عزز لديهم مشاعر القلق والخوف والتوتر والعجز والحرمان، وانعكس سلوكيًا في صورة العصبية وسرعة الانفعال والعدوانية.
وتشير إلى أن الإرهاق النفسي والجسدي الناتج عن البحث اليومي عن الاحتياجات الأساسية ينعكس مباشرة على قدرة الأطفال على التعلم والتركيز، خصوصًا عندما يصلون إلى الخيام التعليمية وهم منشغلون باحتياجات أسرهم.
وتوضح أن ذلك قد يؤدي إلى تراجع الدافعية وصعوبة التركيز وكثرة الغياب والتأخر والانفعال والانسحاب من التفاعل التعليمي، مؤكدة أن استعادة التعليم لدوره تتطلب أولًا توفير الأمان والاستقرار والدعم النفسي والاجتماعي وبيئة تعليمية مهيأة للأطفال.

