أخطر ما يواجه غزة اليوم ليس فقط احتمال عودة الحرب بالصورة التي عرفناها خلال ثلاث سنوات من القصف والتدمير، بل نجاح الاحتلال الإسرائيلي في إنتاج صيغة جديدة للحرب؛ أقل ضجيجًا أمام العالم، لكنها لا تقل خطورة على الفلسطينيين.
فمنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في أكتوبر الماضي ومرور عام، لم تنتقل غزة فعليًا إلى مرحلة السلام، ولم تحصل حتى على فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسها.
ما تزال عمليات القتل والقصف وإطلاق النار والنسف مستمرة، في حين يبقى الاحتلال حاضرًا ميدانيًا وأمنيًا، محتفظًا بقدرته على التصعيد متى شاء.
(إسرائيل) تريد إبقاء غزة في المنطقة الواقعة بين الحرب والسلام: لا حرب شاملة تستدعي موجة جديدة من الضغوط الدولية، ولا انسحاب كامل يسمح للفلسطينيين بإعادة بناء حياتهم واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.
وهنا تبرز خطورة ما يسمى «الخط الأصفر».
فما يفترض أنه خط عسكري مؤقت مرتبط بترتيبات وقف إطلاق النار، يتحول تدريجيًا إلى أداة لفرض واقع جغرافي وأمني جديد، مع استمرار عمليات النسف والتدمير وتغيير الوقائع على الأرض.
المسألة، إذن، *ليست سلسلة خروقات منفصلة يمكن جمعها في تقرير يومي، بل تبدو أقرب إلى سياسة متكاملة لإدارة الحرب بطريقة مختلفة*.
قتل هنا، وقصف هناك، ونسف للمباني، وتقييد للحركة، وتأخير للإعمار، مع إبقاء إمكانية العودة إلى التصعيد مفتوحة.
*بهذه الطريقة تحصل إسرائيل على ميزة مهمة: استمرار الضغط العسكري والأمني على غزة من دون تحمل الكلفة السياسية المترتبة على إعلان استئناف الحرب رسميًا*.
وفي المقابل، تبقى غزة عاجزة عن الانتقال إلى «اليوم التالي».
فلا إعمار حقيقي، ولا استقرار اقتصادي، ولا حرية حركة طبيعية، ولا شعور بالأمان.
ويجد الفلسطيني نفسه مطالبًا بالتعامل يوميًا مع آثار حرب يُقال دوليًا إنها انتهت، في حين يراها في محيط منزله، وفي سماء مدينته، وعلى امتداد خطوط السيطرة الإسرائيلية.
والأخطر أن يتحول المؤقت إلى دائم.
حكومة نتنياهو لديها مصلحة سياسية وأمنية في إبقاء غزة ملفًا مفتوحًا، خصوصًا مع تصاعد الحسابات الانتخابية داخل إسرائيل، وعودة خطاب التهجير، ومحاولات اليمين لفرض تصورات جديدة لمستقبل القطاع.
ومن هنا، لا ينبغي أن تقتصر مهمة الوسطاء والضامنين على منع انهيار الاتفاق أو احتواء كل جولة تصعيد بعد وقوعها، بل يجب أن تنتقل إلى إلزام الاحتلال بجوهر الاتفاق: وقف القتل والخروقات، ومنع تغيير خطوط الانسحاب، وفتح الطريق أمام الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية.
فوقف إطلاق النار لا يمكن أن يعني فقط خفض وتيرة القصف، كما أن انتهاء الحرب لا يعني استبدال الاجتياح الواسع بعمليات قتل ونسف متفرقة.
غزة لا تحتاج إلى هدوء بين غارتين، ولا إلى اتفاق يسمح باستمرار الاستنزاف بجرعات أقل.
المعركة اليوم ليست فقط لمنع عودة الحرب الشاملة، بل لمنع إسرائيل من تحويل وقف الحرب إلى حرب بلا إعلان؛ أقل ضجيجًا، وأطول زمنًا، وأكثر قدرة على استنزاف غزة ومنعها من النهوض من جديد.