خرج عصام الصوير، 46 عامًا، من حي الدرج، في 29 مارس/آذار 2024، متوجهًا إلى دوار الكويت بحثًا عن المساعدات الشحيحة. كان يعرف أن الطريق محفوف بالمخاطر، لكنه خرج بحثًا عما يسد حاجة أسرته. ولم يكن يعلم أن تلك الرحلة ستغيّر حياته، ليعود منها عاجزًا عن الحركة بعدما كان يعمل ويعيل أسرته.
أطلقت آليات الاحتلال النار على المواطنين المجوعين المتوافدين في المنطقة، فأصيب عصام برصاصة في ظهره، استقرت الإصابة عند الفقرتين العاشرة والحادية عشرة، وألحقت ضررًا بالنخاع الشوكي، لتتركه مصابًا بشلل نصفي.
أدخل المستشفى، لكنه خرج دون أن يحصل على علاج قادر على تغيير وضعه الصحي في وجود منظومة طبية شبه منهارة، ومنذ ذلك اليوم، لم يشهد جسده تحسنًا، بل توالت المضاعفات، في حين بقي السؤال الأكبر بلا إجابة: ما طبيعة الضرر الذي أصاب نخاعه الشوكي؟
تقول زوجته لصحيفة "فلسطين": "نقص الإمكانيات الطبية، ولا سيما عدم توافر جهاز الرنين المغناطيسي، حال دون تحديد طبيعة إصابته بدقة، فلا نعرف هل الضرر الذي أصاب النخاع الشوكي ضرر أو قطع، ولا أحد يستطيع أن يعطينا إجابة واضحة".
وتضيف: "تم عمل تحويلة طبية له، ومنذ ذلك الوقت ونحن ننتظر خروج اسمه للسفر، لكن الانتظار طال"، بفعل القيود الإسرائيلية.
لم يكن الانتظار، مجرد أوراق وإجراءات بالنسبة لعصام، بل أشهر تمر، في حين يزداد جسده احتياجًا إلى الرعاية.

وبعد مدة، جاء دور عصام لتلقي العلاج في مستشفى بغزة، دخل المستشفى بهدف الحصول على العلاج الطبيعي والوظيفي، لكنه وصل في وضع صحي صعب، بعدما أنهكت المضاعفات جسده.
كان يعاني التهابات شديدة في الدم، وانخفض مستوى الدم لديه إلى نحو 5، إضافة إلى تقرحات في الجلد، وهي مضاعفات تحتاج إلى متابعة ورعاية مستمرة.
كما يعاني سقوطا في القدم، ويحتاج إلى غيارات شبه يومية، في وقت تعاني المستشفيات ودور الرعاية وحتى الصيدليات الخاصة نقص الشاش والمراهم الطبية والحفاضات الطبية اللازمة لرعايته.
وتقول زوجته إن احتياجاته لم تتوقف عند ذلك، موضحة أن "دواء الأعصاب الذي يحتاج إليه لا يُصرف مجانًا، وندفع مقابله 50 شيكلًا كل أسبوعين".
ومع استمرار غياب العلاج المتخصص، أصبح الاهتمام بعصام مهمة يومية لا تنتهي؛ رعاية، وأدوية، وغيار، وتقليب مستمر، ومراقبة لحالته الصحية.
فعصام أب لثلاثة أبناء، ولد وابنتان توأمتان، رزق بهما بعد 15 عامًا من الزواج، كان يعمل لساعات طويلة من أجل أسرته، ويوفر احتياجات أطفاله، قبل أن تنقلب حياته في لحظة واحدة.
اليوم، يجلس أمام أبنائه دون أن يستطيع الحركة كما كان من قبل، بعدما كان يقضي يومه بين العمل ومتطلبات البيت.
وتتابع زوجته: "كان يوصل الليل بالنهار في الشغل عشان يوفر لنا احتياجاتنا، اليوم يجلس أمام أولاده ولا يستطيع أن يحرك شيئًا في جسده".
وتتابع: "هذا التحول لم يكن سهلًا عليه نفسيًا، خصوصًا أنه أصبح بحاجة إلى شخص يرافقه طوال اليوم والليل، فيحتاج إلى ما يساعده في تقليبه".
النزوح.. خطر مضاعف
لم تكن رحلة النزوح أقل قسوة على عصام وعائلته، فقد مكثوا مدة طويلة في بيتهم بالرغم من الخطر، ليس لأنهم لم يرغبوا في المغادرة، وإنما لأن نقله لم يكن أمرًا سهلًا.
كانت إصابته وشلله يجعلان أي حركة أو انتقال بحاجة إلى تجهيز ومساعدة، حتى اضطر تدهور حالته الصحية الأسرة إلى نقله إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، بعدما لم تستطع المستشفيات داخل غزة استقبال حالته.
وبين التنقل والعلاج المحدود والانتظار، بقيت الأسرة معلقة على أمل السفر.
لا تنتظر عائلة عصام معجزة بقدر ما تطالب بفرصة علاج وتأهيل يمكن أن تخفف عنه مضاعفات الإصابة وتساعده على استعادة قدر من الاستقلالية.
وتكمل زوجته حديثها: "ننتظر على أحر من الجمر، ونأمل أن يستطيع السفر للعلاج، لكن ما باليد حيلة"، متابعة: "نتمنى على الأقل أن يحصل على التأهيل المناسب خلال فترة الانتظار، بدل أن يبقى بهذه الحالة ويحتاج إلى شخص معه طوال الوقت".
وعلى مدار حرب الإبادة، تعمد الاحتلال تجويع أهالي غزة، وبات وصولهم إلى لقمة العيش أشبه بالمستحيل، ما تسبب باستشهاد العديد منهم بفعل سوء التغذية، أو بإطلاق جنود الاحتلال النار عليه أثناء محاولته الحصول على مساعدة.
وبالنسبة لعصام، لم تعد الحياة في ذلك البيت كما كانت قبل إصابة الأب الذي كان يعمل على تلبية احتياجات أطفاله، أصبح بحاجة إلى من يساعده في أبسط تفاصيل يومه، فباتت تعيش اليوم على ما توفره التكية وكرتونة الغذاء العالمي.
ومع ذلك، يبقى عصام منتظرًا؛ ينتظر أن يخرج اسمه للسفر، وأن يجد طريقًا إلى العلاج المناسب، وأن تمنحه فرصة التأهيل ما يساعده على مواجهة حياته الجديدة.

