تسود حالة من السخط بين المواطنين في غزة تجاه سياسات بنك فلسطين، أحد أكبر المصارف الوطنية العاملة في القطاع، إذ يتهمه مواطنون بعدم أداء الدور الذي ينتظرونه منه في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع، فيما بات الوصول إلى أموالهم وإنجاز أبسط معاملاتهم المصرفية يستلزم وقتًا طويلًا وإجراءات معقدة.
ولا ينفي المواطنون أن الحرب والقيود الإسرائيلية على حركة النقد والأموال أوجدت واقعًا مصرفيًا بالغ الصعوبة، لكنهم يطالبون بنك فلسطين بتوضيح ما يقع ضمن مسؤولياته وما تفرضه الظروف الخارجية، مؤكدين أن الغموض في هذا الملف أصبح جزءًا من المشكلة.
كما تتجه الانتقادات إلى سلطة النقد، التي يطالبها مواطنون ومراقبون بممارسة دور رقابي أكبر، خصوصًا في إلزام المصارف بتقديم تفسيرات واضحة بشأن الإجراءات المتخذة، ووضع آليات تضمن وصول المواطنين إلى الخدمات المالية الأساسية، من دون الإخلال بالمتطلبات القانونية والرقابية.
يقول الشاب علاء حسونة إنه بعد نحو ثلاث سنوات على اندلاع الحرب على قطاع غزة، لا تزال أبواب العديد من المصارف مغلقة أمام المواطنين أو تعمل بصورة محدودة، فيما تستمر الصعوبات المرتبطة بالإيداع والسحب وتوفير العملات، في وقت تتزايد فيه حاجة المواطنين إلى الخدمات المصرفية والوصول إلى أموالهم.
ويطالب في حديثه مع صحيفة "فلسطين"، سلطة النقد بتوضيح الأسباب الحقيقية وراء استمرار القيود المفروضة على العمل المصرفي في القطاع.
ويتساءل حسونة: هل تخشى المصارف من إدخال العملات النقدية إلى قطاع غزة، أم أن هناك قيوداً مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي تحول دون ذلك؟
ويشير حسونة أيضاً إلى أن المصارف كانت، قبل الحرب، تحتفظ بكميات من العملات في خزائنها، متسائلاً عن مصير هذه الأموال وإمكانية الاستفادة منها في معالجة أزمة السيولة التي يعاني منها المواطنون في القطاع.
ولا تتوقف شكاوى حسونة عند أزمة السيولة، إذ يرى أن هناك تعقيدات أخرى تواجه المواطنين عند محاولة فتح الحسابات المصرفية أو إجراء التحويلات المالية، سواء بين قطاع غزة والضفة الغربية أو بين غزة والخارج.
فتح الحساب.. عملية شاقة
ومن بين الشكاوى التي تعكس حجم التعقيدات، تجربة المواطن من خالد عابد، إذ يقول إن فتح حساب مصرفي في بنك فلسطين تحول إلى عملية شاقة بسبب الازدحام والإجراءات المطلوبة.
ويروي عابد لصحيفة "فلسطين" أنه عندما بدأت فروع البنك بالعمل بصورة أكبر بعد فترة من الإغلاق، كان الضغط على الفروع شديدًا، واضطر المواطنون إلى الانتظار لفترات طويلة قبل الوصول إلى موظفي البنك وإنجاز معاملاتهم.
ويضيف أن مشكلته لم تنته عند الوصول إلى الفرع، إذ طُلبت منه وثائق ثبوتية واجه صعوبة في توفيرها، في ظل تعرض المؤسسات الحكومية في قطاع غزة، ومنها الخاصة بالجهات المسؤولة عن إصدار الوثائق الرسمية، للتدمير أو التعطيل بسبب الحرب.
ويقول إن هذه الإجراءات جعلته يشعر بأن المواطن يعاقب مرتين؛ مرة بسبب الحرب التي دمرت المؤسسات وأغلقت الطرق أمام الخدمات، ومرة أخرى بسبب الإجراءات التي يواجهها عندما يحاول الوصول إلى الخدمة المصرفية.
ويشير المواطن إلى أنه يمتلك محفظة إلكترونية، لكنه يسعى إلى امتلاك حساب مصرفي لأن طبيعة عمله التجاري وحجم تعاملاته يحتاجان إلى سقف مالي وخدمات مصرفية أوسع.
صناديق الأمانات
لكن الانتقادات لا تتوقف عند السحب والإيداع وفتح الحسابات، إذ تبرز قضية أكثر حساسية تتعلق بصناديق الأمانات داخل البنك ذاته.
وتروي سيدة، طلبت عدم الكشف عن هويتها، أنها كانت تملك صندوق أمانات يحتوي على ذهب ومجوهرات ووثائق ومستندات قانونية مرتبطة بملكيات وعقود.
وبسبب الحرب، اضطرت السيدة إلى مغادرة القطاع إلى مصر، وكلفت شقيقتها بمتابعة الصندوق والاطمئنان على محتوياته.
وتقول إنها تواصلت مع البنك للاستفسار عن الصندوق، وإنها تلقت تأكيدًا بأنه موجود ومحفوظ وآمن، قبل أن تتفاجأ لاحقًا، عندما توجهت شقيقتها إلى البنك، بإبلاغها بأن الصندوق غير موجود وأنه لا يمكن تحديد مكانه في الوقت الحالي، وفق روايتها.
وتقول السيدة إن ما حدث أصابها بصدمة، خصوصًا أن محتويات الصندوق ليست مجرد أموال يمكن تعويضها بسهولة، بل تشمل مستندات قانونية ومقتنيات ثمينة.
وتطرح هذه الواقعة أسئلة صعبة حول آليات حماية صناديق الأمانات خلال الحرب، وكيفية توثيق محتوياتها ومتابعتها، وما المسؤوليات المترتبة على المصرف تجاه أصحابها في حال تعرضت الصناديق أو محتوياتها للفقدان.
تعسف مزاجي
من جهته، يقول رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان د.رامي عبده: يحاول بنك فلسطين، عبر أدواته، تمرير روايات مختلفة؛ تارة بأنه يقوم بإجراءات للتضييق على «المبادرين المستغلين» وتجار الحروب، وتارة بأنه يقوم بذلك مضطرا لاتباع أنظمة السلامة المالية والتحقق، حتى لا يقع تحت سيف العقوبات الدولية.
ويضيف في منشور سابق عبر فيسبوك: الحقيقة أن الهامش الواسع الذي يتلاعب فيه البنك بأموال المودعين والمواطنين البسطاء بعيد عن ذلك. ولا أذكر أنني خصصت منشوراتي للحديث عن عمليات التقييد الناتجة عن التوجيهات الإسرائيلية، ولا عن حسابات الأيتام والشهداء والأسرى، ولا عن انخراط البنك في اللجنة الإسرائيلية الأمريكية المشتركة لـ«جز عشب» حاضنة الفصائل.
ويوضح أن الهامش الواسع يتعلق بتعسف مزاجي وبسيطرة مالية على مليارات الدولارات للمواطنين في غزة، يتم توظيفها لصالح البنك. وبين يدي عشرات الشكاوى والحالات، بدءا من تجميد الحسابات بمبررات واهية، وانتهاء بإجبار المواطنين على هوامش محددة للسحب ضمن ما يعرف بأنظمة «الشمول».
ويقول عبده: تاجر كبير من غزة قبل الإبادة، لا ارتباطات سياسية له، تلاحقه اليوم الديون وتنهش لحمه مطالبات الناس، وفي حسابه نصف مليون دولار سيطر عليها البنك لأنه فوّض ابن شقيقه، المحاسب، بمتابعة معاملاته مع البنك، كون التاجر أمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة.
ويتابع: نصف مليون دولار لا يسمح له بسحبها، ومثله مئات الحالات التي يسيطر البنك على أموالها ويوظفها لصالحه دون وجه حق ودون أي مسوغ قانوني. علما بأن التعليمات المصرفية الفلسطينية واضحة، وتنص على أنه في حال كان صاحب الحساب لا يتصرف لمصلحته الشخصية، فعلى المؤسسة فقط تحديد المستفيد الحقيقي والتحقق من هويته وهو ما حدث في معظم الحالات.
ويتهم عبده البنك بممارسة عمليات نهب ونصب مستغلا لافتات الضغوط التي يتعرض لها ومخاطر الملاحقة، في "غياب تام للرقابة، وشراء ذمم أصوات لا تنظر إلى أوجاع الناس، ثم تسوّق أنها تحسن صنعا"، وفق قوله.

