في شوارع غزة التي أنهكتها الحرب، لم يعد الوصول إلى العمل أو المستشفى أو السوق أمرًا بسيطًا. ومع شح الوقود وارتفاع أسعار الزيوت والإطارات وقطع الغيار، تحولت "العقلاة" إلى وسيلة نقل بديلة، تحمل عشرات الركاب في رحلات يومية تفرضها الضرورة أكثر مما يختارها الناس.
وبينما توفر هذه العربات منفذًا لمن لا يملكون ثمن وسائل النقل الأخرى أو لا يستطيعون قطع المسافات سيرًا، فإن استخدامها يفتح بابًا آخر للقلق، يتعلق بسلامة الركاب، ولا سيما في وجود الطرق المدمرة، والاكتظاظ، وتفاوت مستوى تجهيز هذه المركبات.
وتروي السيدة فاطمة عياد (٥٠ عاما)، التي تعرضت لانقلاب "عقلاة" كانت تستقلها إثر حادث مروري، تجربة تختصر جانبًا من هذا الخطر؛ إذ تحولت الرحلة العادية إلى لحظات من الخوف بعد انقلاب المركبة وسقوط ركابها، لتجد نفسها أمام تجربة لم تكن تتوقع أن تنتهي بهذه الصورة.
"نركب وإحنا خايفين"
ولا يخفي بعض السائقين الذين يعملون على هذه العربات إدراكهم للمخاطر.
السائق وائل عبد الله، 40 عامًا، يقول لصحيفة "فلسطين" إن "العقلاة" تشكل خطرًا على المواطنين، موضحًا أن بعضها يفتقر إلى الإطارات الجيدة والتجهيزات المناسبة.
ويضيف أن السائقين يواجهون مشكلات في أثناء السير، قائلًا: "بنواجه مشاكل كثير وإحنا بنمشي وإحنا خايفين فيها".
ومع ذلك، يؤكد عبد الله أنهم يحاولون اتخاذ ما يستطيعون من إجراءات لتقليل الخطر، ومنها القيادة ببطء، لأن المركبة تحمل أرواحًا، بحسب قوله.
ولم تكن "العقلاة" خياره قبل الحرب، لكنه اضطر إلى العمل عليها مع ارتفاع تكاليف تشغيل السيارات، ولا سيما أسعار الإطارات والزيوت والوقود.
صيانة تحت الضغط
في المقابل، يرى السائق أنس أبو حمدة، 26 عامًا، أن الخطر قائم، وقد تنقلب المركبة في بعض الحالات، مؤكدًا أن سلامتها تعتمد بدرجة كبيرة على الصيانة المستمرة.
ويقول أبو حمدة لصحيفة "فلسطين" إن صاحب المركبة يتفقدها بصورة دورية، بما يشمل العجلات والأجزاء الحديدية والشاسيه واللحامات والإسفنج والنوابض، لضمان بقائها في حالة تسمح بنقل الركاب.
وكان أبو حمدة يعمل سائق خط قبل الحرب، لكنه انتقل إلى "العقلاة" بعدما تراجعت أعداد السيارات وشحت مستلزمات تشغيلها، مؤكدًا أن الظروف دفعته إلى هذا العمل اضطرارًا.
ويبين أن المركبة التي يعمل عليها تستوعب نحو 13 شخصًا، ثلاثة منهم في المقدمة، بينما تتفاوت تكلفة تصنيع هذه العربات وفق حجمها وتجهيزاتها.
حادث يكشف الخطر
ولا تقف المخاوف عند احتمال الانقلاب نظريًا، فقد شهدت غزة حوادث مرتبطة بهذه الوسيلة، من بينها حادث انقلاب "عقلاة" في شارع مجلس الوزراء مقابل ملعب الوحدة بحي تل الهوا، أسفر، وفق ما أوردته مصادر محلية، عن ثلاث إصابات، بينها إصابة بترت فيها يد أحد المصابين إثر انقلاب المركبة.
كما يتحدث السائق حمادة دامو، 32 عامًا، عن حادث شاهده عند مفترق النصيرات، حين انقلبت "عقلاة" واصطدمت بمركبة كانت أمامها.
ويقول دامو لـ"فلسطين" إنه لم يتعرض شخصيًا لحادث انقلاب، لكنه يقر بأن أنواع هذه العربات ليست متساوية من حيث مستوى الأمان، موضحًا أن بعضها أفضل من غيره، وأن المركبات ذات العجلتين أكثر إثارة للخوف بالنسبة إليه.
ويحاول دامو تأمين العربة التي يعمل عليها بما يستطيع، مشيرًا إلى استخدام وسائل تثبيت يراها ضرورية للحفاظ على تماسكها في أثناء السير.
طرق مدمرة
ويزداد الخطر عندما تجتمع هشاشة المركبة مع واقع الطرق التي خلفتها الحرب. فالحفر والمطبات والأنقاض وتفاوت مستوى الشوارع تجعل حركة العربات غير مستقرة، فيما قد يؤدي أي انحراف أو مناورة مفاجئة إلى فقدان التوازن، خصوصًا عندما تكون الحمولة كبيرة.
وتكمن المشكلة كذلك في أن كثيرًا من هذه العربات صُنعت أو عُدلت محليًا لتلبية الحاجة إلى النقل، مع نقص المركبات وارتفاع أسعار قطع الغيار. ويعني ذلك تفاوتًا واضحًا في جودة التصنيع ووسائل الحماية من مركبة إلى أخرى.
ولا تتوفر في "العقلاة" في صورتها الشائعة تجهيزات السلامة الموجودة في المركبات التقليدية، مثل أحزمة الأمان أو أنظمة الحماية المخصصة للركاب، ما يجعل سقوط الراكب أو انقلاب العربة أكثر خطورة.
رحلة لا يختارها الناس
ورغم المخاطر، لا تبدو "العقلاة" بالنسبة إلى كثير من الغزيين رفاهية أو خيارًا مفضلًا، بل وسيلة اضطرارية في واقع فقدت فيه وسائل النقل التقليدية قدرتها على تلبية احتياجات السكان.
فالسائقون أنفسهم يقولون إنهم لجؤوا إليها بسبب الغلاء وشح الوقود ولوازم تشغيل السيارات، في حين يركبها المواطنون لأن البدائل محدودة أو مكلفة.
وهكذا تتحول الرحلة التي يفترض أن تكون مجرد انتقال من مكان إلى آخر إلى معادلة قاسية: حاجة ملحة إلى الوصول، مقابل مخاطرة يعرفها الراكب قبل أن يصعد.