لم يكن عمل إياد دلول في جهاز الشرطة مجرد وظيفة ينتهي دوامها بانتهاء ساعات العمل، بل كان، كما تصفه زوجته إيمان "أمانة" ظلَّ متمسكًا بها حتى في أصعب أيام حرب الإبادة، حين كان الجوع يطرق أبواب بيته، والخوف يحيط بعائلته من كل جانب.
منذ عام 2007، بدأ إياد عمله في جهاز الشرطة، واستمر فيه لسنوات، متنقلًا في مسؤولياته حتى وصل إلى رتبة مساعد أول في الشرطة، وظل عمله مرتبطًا بمنطقة حي الزيتون، جنوبي مدينة غزة، حيث عاش وعمل وخدم الناس.
تقول زوجته، إيمان دلول، لصحيفة "فلسطين": "كان يحب عمله كثيرًا، حتى مع بداية الحرب كنت أحكي له: لا تروح، خليك في البيت، الواحد لازم يدير باله على حاله، كان يرد عليّ: هذه أمانة، أنا بدي أظل في شغلي".
لم تكن الحرب سببًا لابتعاده عن مهمته، بل زادت شعوره بالمسؤولية، وبينما كانت العائلات تبحث عن الطعام والماء ومكان أكثر أمانًا، كان إياد يخرج إلى عمله، ويشارك في تأمين المنطقة التي يعمل فيها، ويساهم في تنظيم توزيع المساعدات، بحسب زوجته.
عاشت عائلة الشرطي إياد دلول خلال حرب الإبادة ظروفًا قاسية، وكان الجوع جزءًا من تفاصيل حياتها اليومية، وكانت إيمان حاملًا في ذلك الوقت، إلى جانب مسؤوليتها عن ستة أبناء.
ورغم حاجته إلى الطعام مثل غيره، تقول زوجته: إنه كان يرفض أن يستغل موقعه للحصول على شيء ليس من حقه.
وبينما كانت المجاعة تضغط على الأسرة، ظل إياد متمسكًا بموقفه. تقول إيمان: إن عبارته التي كانت تتردد على مسامعها بقيت عالقة في ذاكرتها:" الكفن ليس له جيوب.. إيش الواحد بينفعه في قبره غير عمله؟".
كانت الأسرة بحاجة إلى كل شيء، لكن إياد، وفق رواية زوجته، كان يرى أن حاجته الشخصية لا تبرر أخذ ما خُصص لغيره.
مسؤولية أكبر من بيت
لم تقتصر مسؤوليات إياد على زوجته وأبنائه، فقد كان الابن الأكبر لوالدته، كما تحمل مسؤولية أفراد من عائلته، وكانت شقيقته وأبناؤها أيضًا في دائرة اهتمامه.
تقول إيمان:" كان متحمل الكل، الله يرحمه، مسؤولية كبيرة كانت عليه، أنا والأولاد، وأخته وأولادها، وكان شايل هم عيلته".
ومع استمرار الحرب، ازدادت الضغوط عليه، خاصة مع تنقل العائلة بين أماكن مختلفة بحثًا عن الأمان. تقول زوجته إنهم نزحوا بحسب الظروف والأماكن التي كان يمكن أن يجدوا فيها قدرًا من الأمان، قبل أن يعودوا مجددًا إلى مناطق أخرى داخل مدينة غزة، ولكن حتى وسط هذا كله، ظل إياد مرتبطًا بعمله.
آخر يوم.. فرحة لم تفهمها
في السادس والعشرين من أغسطس/ آب 2024، خرج إياد من منزله متجهًا إلى عمله في منطقة الزيتون. لم تكن زوجته تعرف أن ذلك اليوم سيكون آخر لقاء بينهما.
تتذكر إيمان ذلك اليوم بتفاصيله، وتقول: إن زوجها كان على غير عادته "مبسوطًا جدًا"، تقول: "جلس معنا، وتناول وجبه الغداء، بدا يومها فرحًا، وأول مرة بحياتي أشوفه بهذا الشكل، احتضننا وتحدث معنا، ثم خرج إلى عمله نحو الساعة الثالثة ظهرًا، وبعد ساعات وصل خبر استشهاده".
كان إياد قد استشهد في أثناء وجوده في حي الزيتون، حيث كان يؤدي مهمته في تأمين المنطقة وخدمة الناس، لتنتهي بذلك رحلة استمرت سنوات طويلة في جهاز الشرطة، قضاها في خدمة أبناء شعبه.
وتشير زوجته إلى أنه كان قبل استشهاده بمدة يوصيها بأبنائه، ويحكي لها:" الأولاد أمانة". وقد أوصاني دائمًا أن "أكمل دراستي الجامعية، وأن أستفيد من وقتي في شيء مفيد".
وبعد استشهاده، وجدت إيمان نفسها أمام مسؤولية أكبر؛ أُمًّا وأبًا في الوقت نفسه لستة أبناء، أكبرهم في السابعة عشرة من عمره، في حين كانت طفلتها الصغرى، آلاء، تبلغ نحو أربعة أشهر فقط عند استشهاد والدها.
تقول: "المسؤولية كبيرة جدًا، أصبحت أمًا وأبًا في الوقت نفسه. تفكيري ينصب حاليًا على تربية أبنائي أحسن تربية".
أما أبناؤها، فهم يسألون عن والدهم ويشتاقون إليه، في حين تحاول إيمان أن تبقي صورته حاضرة بينهم بالقيم والوصايا التي تركها قبل رحيله.
رحل إياد دلول تاركًا وراءه زوجة تواصل تعليمها، وستة أبناء يكبرون من دونه، ووصايا ما زالت تحاول والدتهم أن تحولها إلى واقع، أما بالنسبة لإيمان، فتبقى أكثر ما تتذكره عنه تلك القناعة التي رافقته حتى في أصعب الأيام: أن ما يحمله الإنسان معه في النهاية ليس ما جمعه لنفسه، بل ما قدمه للآخرين.

