قائمة الموقع

دراسة تكشف كيف تحولت مساعدات غزة من الإغاثة إلى أداة للتوظيف السياسي

2026-09-10T17:04:00+03:00
حذرت الدراسة من تحوّل المساعدات الإنسانية من آلية للاستجابة للاحتياجات الإنسانية إلى منظومة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية والجغرافية
فلسطين أون لاين

كشف المركز الفلسطيني للدراسات السياسية عن ورقة تحليلية جديدة ترصد التحولات التي طرأت على منظومة المساعدات الإنسانية في قطاع غزة خلال سنوات الحرب، محذرًا من تحولها تدريجيًا من آلية للاستجابة للاحتياجات الإنسانية إلى منظومة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية والجغرافية.

وحملت الورقة، التي أعدها الباحث خالد أبو عامر، عنوان "من الإنقاذ إلى التوظيف السياسي: قراءة تحليلية لمسارات الإغاثة وآليات الاستجابة في غزة"، وتتناول تطور منظومة الإغاثة وتأثيرها في الاقتصاد المحلي وأنماط التوزيع والاعتماد المجتمعي.

وتنطلق الدراسة من أن الحرب أدت إلى تحول المساعدات إلى عنصر رئيسي في منظومة الإمداد والعيش داخل القطاع، في ظل تراجع النشاط التجاري، وتقييد حركة السلع، وارتفاع مستويات اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية.

وقسمت الورقة مسار المساعدات إلى ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مرورًا بمرحلة ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025، وصولًا إلى المرحلة الممتدة حتى أغسطس/آب 2026، مشيرة إلى استمرار فجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات الإنسانية وحجم المساعدات الداخلة إلى القطاع، رغم تغير ظروف الحرب وآليات الاستجابة.

وبحسب الدراسة، لا ترتبط أزمة الإغاثة بكمية المساعدات وحدها، وإنما تشمل طبيعة السلع التي تدخل القطاع، والجهات المشرفة على إدارتها، وآليات توزيعها، ومواقع نقاط الاستلام، ومدى قدرة السكان والمؤسسات المحلية على الوصول إليها.

وترى الورقة أن التركيز الكبير على المساعدات الغذائية، مقابل الاحتياجات المتزايدة في قطاعات الصحة والمياه والإيواء وغيرها، أسهم في تكريس نمط من الاستجابة يركز على إبقاء السكان عند "حد الكفاف"، بدل الانتقال إلى معالجة الاحتياجات الإنسانية بصورة متكاملة.

وتوقفت الدراسة كذلك عند تراجع الدور التاريخي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في منظومة الإغاثة، مقابل صعود أدوار منظمات وجهات دولية أخرى، معتبرة أن إضعاف بنيتها المؤسسية لا يمثل تحولًا إداريًا فحسب، بل يثير تساؤلات بشأن التسجيل والتوزيع والرقابة واستمرارية المعرفة المتراكمة حول احتياجات المجتمع الفلسطيني.

كما بحثت الورقة في تأثير الجغرافيا على توزيع المساعدات، موضحة أن التحكم في المعابر والطرق ومحاور الحركة ونقاط التوزيع لا يحدد سرعة وصول المساعدات فحسب، بل يمكن أن يؤثر في حركة السكان وأنماط تجمعهم وارتباطهم بالمناطق التي تتوفر فيها الخدمات والمواد الأساسية.

وفي هذا السياق، تحذر الدراسة من إمكانية تحول المساعدات إلى أحد مكونات الضغط السياسي والجغرافي على المجتمع الفلسطيني، بدل اقتصار دورها على الاستجابة الإنسانية، خصوصًا مع استمرار القيود المفروضة على حركة السلع ووصولها إلى المحتاجين.

وتشير الورقة إلى أن استمرار هذا النمط من إدارة الإغاثة قد يؤدي إلى تعميق الاعتماد على المساعدات، وإضعاف السوق المحلية، وتشجيع إعادة بيع المساعدات، وظهور شبكات وساطة محلية، وزيادة التفاوت في الوصول إلى الموارد، بما قد ينعكس على الاستقرار الاجتماعي وقدرة المجتمع على إدارة موارده بصورة مستقلة.

وتقترح الدراسة مجموعة من الإجراءات لمواجهة هذه التحديات، من بينها تطوير آليات الدعم النقدي والقسائم الرقمية، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة للمستفيدين، وتطوير منظومة وطنية للإشراف على المساعدات، وإعادة التوازن بين القطاعات الغذائية والصحية والمائية والإيوائية.

كما تدعو إلى تسهيل إدخال السلع إلى قطاع غزة وتقليص القيود المفروضة على المواد المصنفة باعتبارها "ثنائية الاستخدام"، إلى جانب حماية عمليات التوزيع من الاستغلال بما يحافظ على السلم المجتمعي ويحد من تحول المساعدات إلى مصدر إضافي للصراع الداخلي.

ويضع المركز هذه الورقة ضمن سلسلة من إصداراته البحثية التي تتناول القضايا السياسية والاقتصادية والإنسانية والأمنية المرتبطة بالحرب على قطاع غزة وتداعياتها ومستقبل القطاع، بهدف توفير مادة تحليلية للباحثين والصحفيين وصناع القرار والمهتمين بالشأن الفلسطيني.

وتخلص الورقة إلى أن أزمة المساعدات في غزة لا تتعلق فقط بحجم الإغاثة أو نقصها، بل بطبيعة المنظومة التي تديرها ومسارات وصولها وتوزيعها، وما يمكن أن تتركه هذه الآليات من آثار على الاقتصاد والمجتمع والجغرافيا، بما يجعل مستقبل إدارة المساعدات جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل قطاع غزة.

اخبار ذات صلة