يتصاعد مشهد الانتهاكات في المسجد الأقصى عبر فرض الطقوس اليهودية العلنية، لتشكل الأداة الأبرز لتثبيت الوجود الاستيطاني في الأقصى، ضمن رؤية إحلالية، تسعى إلى حسم هوية المسجد، والمضي قدمًأ في استهداف قدسيته، وفرض السيادة الصهيونيّة عليه، بدعم أمني وسياسي متكامل. وخلال السنوات الماضية تصاعد أداء الطقوس العلنية، فلا يكاد يخلو اقتحامٌ من اقتحامات الأقصى من أداء هذه الطقوس، وتمكنت الجماعات المتطرفة من إقامة معظم الممارسات التوراتية داخل الباحات، ولم يتبقَّ سوى فرض "القرابين الحيوانية" التي يسعى المستوطنون إلى إدخالها بشكلٍ متكرر.
ومع اقتراب موسم الأعياد العبرية الطويل، الذي يشهد قفزات في حجم العدوان على المسجد ومكوناته البشرية، نسلط الضوء في هذا المقال على أبرز الطقوس التي يؤديها المستوطنون في الأقصى، وارتباط تصاعد أداء الطقوس العلنية مع مضي أذرع الاحتلال في إستراتيجية "التأسيس المعنوي للمعبد".
إستراتيجية "التأسيس المعنوي للمعبد"
لم تستطع أذرع الاحتلال تحقيق أهدافها في تقسيم المسجد الأقصى مكانيًا، فقد اصطدم هذا المخطط بهبة باب الرحمة في شهر شباط/فبراير 2019، وهو ما دفعها إلى تقديم إستراتيجيّة جديدة تتمثل بفرض الطقوس التوراتيّة في الأقصى، و"التصرف وكأنّ المعبد اليهوديّ قد أُقيم فعلاً مكان الأقصى"، وبالتالي الحرص عند اقتحام المسجد على أداء كلّ الطقوس التي تتصل بـ"المعبد" وتحمل طابعًا "عباديًّا يهوديًّا"، وباتت تتعامل مع الأقصى على أنه "المعبد" من حيث الطقوس والممارسات الدينيّة، مع بقاء مبانيه إسلامية.
بدأ المستوطنون بمحاولات فرضه منذ شهر آب/أغسطس 2019، وترجمت "منظمات المعبد" هذا المسار من خلال نقل الطقوس التي تؤدى في كُنُس العالم إلى داخل الأقصى، وتحويله إلى "مركز روحيّ لليهود"، إلى جانب نقل وتجسيد الطقوس المرتبطة بـ"المعبد" وخاصة تقديم "القربان" النباتي والحيواني، إضافةً إلى الانبطاح الكامل على الأرض الذي يسمونه "السجود الملحمي"، في سياق تكريس الأقصى وكأنه "المعبد"، وسعيها إلى إدخال الأدوات التوراتيّة إلى الأقصى، لإتمام ما تزعمه من طقوس مرتبطة على زعمهم بـ"المعبد".
ما الطقوس التي تؤدى في الأقصى؟
ويتصاعد أداء الطقوس العلنية ذلك في الشكل والمضمون، وعدد المشاركين فيها في الأعياد اليهوديّة، وخاصة تلك التي تتطلب صلواتٍ خاصّة، وفيما يأتي أبرز الصلوات التي يؤديها المستوطنون خلال اقتحامهم للمسجد الأقصى، هي:
• صلاتا الصباح (شحاريت) وما بعد الظهر (منحاه)، "اللّتان تُؤَدَّيان بشكلٍ فردي أو جماعي.
• طقس "نعنوع": حركات اهتزاز وتمايل يؤديها المستوطنون ويظهرونها خلال صلواتهم في الأقصى.
• صلاة (الشماع): هي تلاوة أول فقرات من "سفر التثنية"، وهي واحدةٌ من أهم الصلوات عند اليهود. وتصاعد أداء هذه الصلاة في المسجد الأقصى في السنوات الماضية.
• صلاة بركات الكهنة: وهي طقوسٌ توراتية خاصة، يؤديها الحاخام برفقة تلاميذه، وتتضمن رفع الأيدي ووضعها فوق الرأس، وتلاوة فقرات من "سفر العدد" في التوراة.
• صلاة التوبة أو الكفارة: تؤدى قبيل الأعياد اليهودية، وخاصة عيد الغفران، ويصاحبها ارتداء ثياب كهنوتية بيضاء تسمى ثياب "التوبة"، وهو لباس سدنة "المعبد" وكهنته.
• احتفالات البلوغ (بار/ بات متسفاه): وهي الاحتفال ببلوغ الفتيان اليهود عمر الـ 13 للذكور، والـ 12 للإناث، يقرأ فيها المحتفل به ما حفظ من مقاطع التوراة، ثم يقرأ له الحاخام صلوات "البركة".
• السجود الملحمي (برخوت): ويظهر من خلال انبطاح المستوطن على الأرض بشكلٍ كامل، ومدّ يديه وقدميه ووجهه. ويمثّل السجود أقصى درجات الخضوع. ويطلق عليه لفظ "ملحمي"؛ لأنه يؤدى بحسب ادعاء المستوطنين في "المعبد"، فهو "محل سكن الرب".
• نفخ البوق (الشوفار): يُنفَخُ فيه خلال 3 أيام في السنة، في صباحي الأول والثاني من رأس السنة العبرية، وفي مساء "عيد الغفران".
من الطقوس إلى الرقص والغناء، مروحة التدنيس والعدوان
شهدت السنوات الماضية تحولات كبيرة فيما يتعلق بأداء هذه الطقوس، والتي انتقلت من أدائها فرديّا وبصمت، ووصلت اليوم إلى الأداء العلني بمشاركة حاخامات وسياسيين، وما يتعلق بهذه الطقوس من رقصات وانبطاح على الأرض وغيرها، وعلى الرغم من تصاعدها بشكلٍ كبير بالتزامن مع الأعياد اليهوديّة والمناسبات الوطنية الإسرائيلية، إلا أنها أصبحت جزءًا من العدوان على الأقصى، لا يكاد يخلو منها أي اقتحامٍ لباحات المسجد. وفي ما يأتي أبرز سلوكيات المستوطنين اليهود وطقوسهم التي أدوها داخل الأقصى:
ترديد الأغاني الاستفزازية.
الانبطاح الكامل "السجود الملحمي" على ثرى الأقصى فرديًّا وجماعيًّا.
النفخ في البوق "الشوفار".
إشعال الشموع، وخاصة بالتزامن مع عيد "الأنوار".
إدخال القرابين النباتيّة "ثمار العُرش".
محاولة إدخال القرابين الحيوانيّة.
إدخال ماعز حيّ إلى داخل المسجد الأقصى مرتين.
نثر الخبز المغمس بالخمر، في ساحة مصلى قبة الصخرة.
إدخال كيس يحتوي على علبة خمر وخبزٍ رطب، وقطعة قماش مغمسة بالدم.
أدخل مستوطنون "مخطوطة المراثي"، وتلوا مراثي "إرميا".
اقتحام الأقصى باللباس الكهنوتيّ الأبيض.
أداء الرقصات داخل الأقصى.
رفع علم الاحتلال داخل المسجد.
إنشاد نشيد الاحتلال "الهاتيكفاه".
طقوس مباركة الخطوبة والزفاف والبلوغ، وحلاقة الشعر للأطفال.
أداء رقصة "هورا" الدائريّة، قرب سبيل قاسم باشا داخل ساحات المسجد.
تنفيذ رقصات استفزازية بأوامر مباشرة من المستوى السياسي الإسرائيلي.
تأدية صلاة "الموساف" في ساحات الأقصى الشرقية.
أداء طقوس "بركات الكهنة".
قراءة أسفار من التوراة.
نقل طقوس "سليخوت" إلى الأقصى.
القراءة من الكتب الدينية اليهوديّة، من بينها تلاوة "الكاديش" ونصوص من التوراة.
أداء طقوس خاصة ببداية الشهر العبريّ.
ارتداء ثياب وأدوات خاصة بالطقوس العلنية، على غرار شال "طاليت"، وملابس التوبة والكهنة، ولفائف "التفلين" وغيرها.
استخدام لفائف التوراة أمام أبواب الأقصى، ومحاولة إدخالها في أكثر من مناسبة.
طقوس تأبين القتلى الصهاينة في حرب الإبادة على قطاع غزة.
إدخال علم كبير رُسم عليه صورة "المعبد"، ويُطلق عليه "راية المعبد".
إدخال "كتب الصلوات"، وأوراق طُبعت عليها صلوات المستوطنين إلى داخل الأقصى.
اقتحام المستوطنين وهم حفاة الأقدام.
تقديم الشروحات التوراتية حول "المعبد" المزعوم.
الاحتفاء بصغار المستوطنين، على أثر فوزهم أو نجاحهم في مسابقات تقيمها أذرع الاحتلال المتطرفة.
إدخال كتب الصلاة اليهوديّة "السيدور".
حاول أحد المستوطنين إدخال "تابوت العهد المقدس" إلى داخل الأقصى.
قراءة "قديش الحاخامات" أمام البائكة الغربية لقبة الصخرة، وهو دعاء ديني يهودي يُتلى بعد دراسة التوراة أو التلمود، وأقدم على ذلك أحد أعضاء "منظمات المعبد".
حاول عددٌ من المستوطنين إحياء طقس "غناء اللاويين"، من خلال أداء ما يسمونه "ترنيمة اليوم" داخل الأقصى.
تدنيس مصاطب الأقصى، وشرب الماء من السبل الموجودة داخل المسجد.
الهتافات العنصرية ضد العرب والمسلمين والفلسطينيين.
دلالات تصاعد أداء الصلوات في الأقصى
في استقراء لأبرز دلالات تصاعد أداء الطقوس العلنية في الأقصى، وأهداف المنظمات المتطرفة من خلفها نجد أنها تحاول رفع أعداد مقتحمي المسجد الأقصى، ولا سيما من فئة المتطرفين، الذين يقتحمون المسجد، ويتعمدون أداء الطقوس اليهودية في ساحات المسجد، وهذا ما يسهم في رفع مطالبات المنظمات المتطرفة لفرض المزيد من التدخل على إدارة المسجد وواقعه. وإلى جانب ما سبق، تعمل المنظمات المتطرفة على الانتقال إلى التأسيس المادي "للمعبد"، والمضي قدمًا في تحقيق التقسيم المكاني في الأقصى، من خلال أداء الطقوس اليهودية في ساحات الأقصى الشرقية من جهة، وداخل مقبرة باب الرحمة من الجهة الثانية من سور المسجد الأقصى، إلى جانب استمرار استهداف مصلى باب الرحمة، ومحاولات الاحتلال المتكررة الرامية إلى إغلاقه، وما يتصل بهذه الممارسات من استهدافٍ متزايد للمكون البشري الإسلامي في الأقصى.