في رام الله تنشغل قيادة المقاطعة بإعادة حساباتها المتعلقة بانتخابات المجلس التشريعي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. لكن خلف هذا المشهد، تجري معركة أخرى أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا، تتعلق بتشكيل المجلس الوطني الفلسطيني.
المسألة لا تقتصر على ترتيب أسماء أو توزيع مقاعد داخل مؤسسة قديمة. ما يجري يمس السؤال الأكبر: من يمثل الفلسطينيين في الداخل والشتات؟ وهل يُعاد بناء منظمة التحرير بالانتخابات والشراكة، أم يستمر النهج نفسه الذي احتكر القرار لعقود، وأقصى القوى والتيارات الوطنية والإسلامية، وحوّل المؤسسات الوطنية إلى دوائر مغلقة؟
يبدو الرئيس محمود عباس كمن يرتب أوراقه على طاولتين. إذا جرت الانتخابات التشريعية، فهو بحاجة إلى قائمة فتحاوية موحدة تمنع تشتت أصوات الحركة. وإذا تأجلت الانتخابات أو تعذر عقدها، فإنه يريد مجلسًا وطنيًا يضمن استمرار السيطرة على منظمة التحرير، ويحمي نفوذ الدائرة المحيطة به، ويمهّد لترتيبات اليوم التالي، بما فيها الدور السياسي المحتمل لنجله.
من هنا تكتسب معركة التعيينات والمجمعات الانتخابية خطورتها. فهي لا تقدم حلًا لمشكلة غياب الانتخابات، بل تعيد إنتاجها. وبدل أن يكون المجلس الوطني مساحة جامعة للفلسطينيين، يجري التعامل معه باعتباره شبكة أمان سياسية للرئاسة، يمكن اللجوء إليها إذا أصبحت انتخابات التشريعي مخاطرة غير مضمونة النتائج.
هذا ليس نهجًا جديدًا. إنه امتداد لطريقة حكم قامت على إدارة المؤسسات بالتعيين، وتأجيل الاستحقاقات، وضبط التمثيل بما يحفظ موازين القوة القائمة. والنتيجة أن المجلس الوطني، الذي يفترض أن يكون برلمان الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، مهدد بأن يتحول مرة أخرى إلى مؤسسة تُختار عضويتها من أعلى، ثم يُطلب من الفلسطينيين منحها شرعية لم يشاركوا في صنعها.
على الطاولة الأخرى، تبدو أزمة فتح أكثر إلحاحًا. ووفق معطيات متداولة، يجري داخل قيادة السلطة بحث وضع الأسير مروان البرغوثي على رأس قائمة الحركة، باعتباره الشخصية القادرة على جمع ما فرقته سنوات الانقسام الفتحاوي. وقد يمنع هذا الخيار تعدد القوائم، ويعيد جزءًا من القاعدة الغاضبة، ويفتح الباب أمام تفاهم مع التيار الإصلاحي بقيادة محمد دحلان.
لكن اسم البرغوثي ليس بطاقة انتخابية مجانية. فالسؤال في محيطه لا يتعلق بترتيبه داخل القائمة فقط، بل بما بعدها: هل يكون ترؤسه القائمة مدخلًا حقيقيًا لترشيحه للرئاسة، أم مجرد استعارة لشعبيته من أجل جمع الأصوات، ثم إعادة إغلاق الباب أمامه؟
هنا تضيق خيارات عباس. إجراء الانتخابات من دون توحيد فتح قد يكشف تراجع الحركة وعمق انقسامها. أما تأجيلها، فسيفتح مجددًا ملف شرعية السلطة، خصوصًا في ظل رسائل أوروبية ترفض مبررات جديدة للتأجيل من دون ظرف قاهر. وواشنطن، وإن لم تمنح الانتخابات ضوءًا أخضر صريحًا، لم تضع أمامها «فيتو» معلنًا، ما يجعل التأجيل ممكنًا، لكنه مرتفع الكلفة.
لذلك لا يمكن فصل تسريع ترتيبات المجلس الوطني عن القلق من صندوق التشريعي. فالسلطة التي لا تضمن نتائج الانتخابات قد تبحث عن مؤسسة تضمن تشكيلها.
الخطر الحقيقي، إذن، ليس تأجيل موعد انتخابي فحسب، بل استبدال الإرادة الشعبية بتعيينات ومجمعات محدودة، وإعادة إنتاج النهج القديم تحت عنوان تجديد المؤسسات.
فالمجلس الوطني لا يحتاج إلى مقاعد جديدة بوجوه مختارة، بل إلى شرعية جديدة يصنعها الفلسطينيون بأنفسهم. وما لم يحدث ذلك، سيبقى السؤال قائمًا: هل نحن أمام إعادة بناء النظام السياسي، أم أمام تحصين الاحتكار قبل أن يصل الناس إلى الصندوق؟

