في الوقت الذي عادت فيه آلاف الطالبات إلى مقاعد الدراسة مع انطلاق العام الدراسي الجديد، بقي مقعد الطفلة علا عبد الناصر قطيشات فارغًا في إحدى مدارس بلدة طمون بمحافظة طوباس، بعدما حُرمت من مواصلة عامها الدراسي إثر اعتقالها على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
علا، البالغة من العمر 16 عامًا، طالبة في الصف الحادي عشر بالفرع التجاري، وجدت نفسها خلف قضبان سجن "الدامون" بدلًا من مقعدها الدراسي، فيما تتمسك عائلتها وزميلاتها بأمل عودتها لاستكمال تعليمها وتحقيق حلمها بدراسة الصحافة.
ليلة الاعتقال.. قبل امتحان الإنجليزية
في 24 أيار/مايو 2026، كانت علا تستعد برفقة شقيقتها لامتحان اللغة الإنجليزية المقرر في اليوم التالي، منشغلة بكتبها وطموحها الدراسي، قبل أن يتحول منزل عائلتها عند نحو الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل إلى ساحة اقتحام مفاجئ.
وبحسب رواية العائلة، اقتحمت قوات الاحتلال المنزل بأعداد كبيرة، وعزلت أفراد الأسرة عن بعضهم، ومنعتهم من الاقتراب من علا، قبل أن يقيد الجنود يديها ويعصبوا عينيها ويقتادوها إلى الخارج.
وتروي العائلة أن والدي علا وشقيقتها حاولوا منع اقتيادها، ورددت شقيقتها وهي تتشبث بها: "إنها طفلة... أعيدوها"، إلا أن الجنود أبعدوا أفراد الأسرة بقنابل الصوت، فيما غادرت المركبات العسكرية المكان وعلى متنها الطفلة.
من التحقيق إلى العزل
عقب اعتقالها، نقلت علا إلى مركز تحقيق "أريئيل"، قبل أن تُنقل لاحقًا إلى سجن "الدامون"، حيث تقبع اليوم في العزل برفقة الأسيرة الطفلة ندى إياد بني عودة، البالغة من العمر 17 عامًا، وهي من البلدة نفسها.
ووفق ما نقلته العائلة من شهادات عن علا، تعيش الطفلتان في غرفة صغيرة ومعزولة عن بقية الأسيرات، في ظروف احتجاز قاسية، وسط حرمان من الفورة والتواصل المباشر، فيما لا تتجاوز فترة الخروج إلى الحمام دقائق محدودة وتتم تحت حراسة مشددة.
كما تشير الشهادات إلى معاناة علا من تدهور في ظروفها الصحية والنفسية، إلى جانب سوء جودة الطعام وانتشار الحشرات وانخفاض وزنها، فضلًا عن إخضاعها للمراقبة بالكاميرات على مدار الساعة.
وأمام ذلك، تطالب عائلة علا بنقلها من العزل إلى الأقسام العامة، خشية تفاقم الآثار النفسية الناجمة عن استمرار عزلها عن بقية الأسيرات.
طالبة موهوبة خلف القضبان
وقبل اعتقالها، كانت علا حاضرة في مدرستها بنشاطها ومواهبها، إذ شاركت في الإذاعة المدرسية وإلقاء الشعر، كما حصلت على المركز الأول على مستوى الوطن في مسابقة للرسم الجداري تناولت قضية صبرا وشاتيلا.
وفي مفارقة مؤثرة، وصل إلى علا داخل السجن خبر فوزها بالمسابقة، لتتلقى النبأ كنافذة أمل وسط واقع الاحتجاز والعزل.
وقبل اعتقالها، تركت علا رسالة لزميلاتها، أوصتهن فيها بالحفاظ على مقعدها فارغًا حتى عودتها، وكتابة عبارة: "الأسيرة علا" عليه، في أمنية تختصر تعلقها بمدرستها وإصرارها على العودة إلى حياتها الدراسية.
حلم الصحافة ينتظر صاحبه
وبينما تتواصل محاكمات علا بانتظار جلسات جديدة، تترقب عائلتها وزميلاتها أن تنتهي رحلة الاعتقال بعودتها إلى مقعدها المدرسي، لتستكمل دراستها وتواصل طريقها نحو حلم دراسة الصحافة والدفاع عن حقوق المظلومين والضعفاء.
وفي مدرسة طمون، لا يبدو المقعد الفارغ مجرد مساحة خالية بين مقاعد الطالبات، بل تحول إلى شاهد على غياب قسري لطالبة كانت تستعد لامتحانها قبل أن تُقتاد من منزلها، فيما تنتظر زميلاتها اليوم الذي تعود فيه علا لتجلس في مكانها وتستأنف حلمًا توقف فجأة خلف القضبان.