قائمة الموقع

مرض وفقد وانتظار.. ثالوث يثقل حياة عياش

2026-09-09T11:07:00+03:00
المواطن محمد عياش
فلسطين أون لاين

في ليالي مخيم النصيرات، حين يطول الليل ويثقل على المرضى، يجد محمد عياش، البالغ من العمر 55 عامًا، نفسه عاجزًا عن انتزاع ساعات قليلة من النوم. حرقان شديد في صدره، وضيق في التنفس، وشعور متكرر بالاختناق، أعراض بدأت تتسلل إلى حياته وتزداد حدتها، حتى لم يعد قادرًا على احتمالها.

وفي 20 ديسمبر/كانون الأول 2024، وبعد ليالٍ طويلة من الألم، توجه عياش إلى مستشفى العودة، باحثًا عن تفسير لما يشعر به، ومن هناك، جرى تحويله إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث خضع لتخطيط للقلب وصور وفحوصات طبية، لتكشف النتائج عن انسداد في ثلاثة شرايين بالقلب، اثنان منها فرعيان، في حين كان أحدها شريانًا رئيسًا يحتاج إلى تركيب دعامة.

فلم يكن التشخيص مجرد خبر طبي بالنسبة لعائلته، بل بداية رحلة جديدة مع المرض والعلاج والانتظار، في وقت كانت فيه الأسرة تعيش أصلًا تحت وطأة الحرب والفقد.

ويسرد عياش لصحيفة "فلسطين": "مع تدهور حالتي، جرى التنسيق لعمل قسطرة قلبية في المستشفى الأوروبي لإجراء، ودخلت العملية على أمل أن تفتح لي طريقًا للخلاص من الألم والعودة إلى حياتي الطبيعية".

ولكن القسطرة لم تحقق النتيجة المرجوة، فخلال الإجراء، واجه الفريق الطبي صعوبة في التعامل مع أحد الشرايين، بعدما تبين وجود التواء وتكلسات فيه، ما جعل الحالة أكثر تعقيدًا، وأظهر حاجته إلى تركيب ثلاث دعامات، وهو ما يتطلب إمكانات وتجهيزات طبية متخصصة.

ومنذ ذلك الحين، أصبح العلاج خارج قطاع غزة ضرورة بالنسبة لعياش، بعدما تعذر استكمال العلاج بالشكل المطلوب داخل القطاع، بفعل حرب الإبادة وتداعياتها.

بين المرض ووجع الفقد

لا تعيش أسرة عياش مع مرض القلب وحده؛ فخلف معاناته الصحية وجع آخر ترك أثره العميق في حياته، بعد استشهاد ابنته خلال الحرب.

وتقول العائلة إن الحزن الشديد والضغط النفسي الذي عاشه الأب بعد فقد ابنته تزامنا مع تدهور حالته الصحية، فالضغط النفسي الشديد والممتد يؤثر في صحة القلب وقد يزيد من مخاطر المشكلات القلبية أو يفاقم أعراضها لدى من يعانون عوامل خطورة أو مرضًا قلبيًا قائمًا.

وهكذا، بات عياش يحمل ألمًا مزدوجًا؛ جسدًا أنهكه مرض القلب، وذاكرة لا تزال تستعيد ابنته التي فقدها في الحرب.

في منزله، تمر الساعات ببطء. يقول أفراد أسرته إن ضيق النفس والشعور بالخنقة يشتدان عليه ليلًا، ويحرمانه من النوم، فيما تعيش ابنته على وقع الخوف من أن تتدهور حالته بصورة أكبر قبل أن يحصل على العلاج.

وتتابع ابنته: "والدي يعيش ليالي طويلة من غير نوم بسبب الخنقة وضيق النفس، وإحنا خايفين نخسره في أي لحظة".

لم يعد عياش قادرًا على ممارسة حياته كما كان يفعل قبل المرض، فالمشي لمسافات طويلة أصبح مرهقًا بالنسبة إليه، والتنقل بات مهمة شاقة في ظل شح المواصلات وصعوبة الحركة داخل القطاع.

والأصعب أن عياش هو المعيل الوحيد لعائلته المكونة من أربعة أفراد، لكن المرض أوقف قدرته على العمل، وترك الأسرة أمام أعباء معيشية متزايدة، في وقت لا تزال فيه تبحث عن وسيلة لإنقاذ رب الأسرة.

وتجددت التحويلة الطبية، لكن الطريق إلى العلاج لا يزال مغلقًا أمامه بفعل قيود الاحتلال، وكل يوم يمر يزيد من قلق أسرته، التي ترى أن حاجته لم تعد تحتمل مزيدًا من التأجيل.

وتختم ابنته: "إحنا مش طالبين غير فرصة علاج حقيقية لأبوي، هو محتاج مركز مختص بالقسطرة والدعامات، وطبيب قلب وجراح يشخصوا حالته ويحددوا العلاج المناسب قبل ما تتدهور حالته أكثر".

ويواجه مرضى القلب في قطاع غزة كغيرهم من المرضى خطر الموت، بسبب عدم توفر العلاج الضروري وعدم تمكن الحالات المستعجلة من السفر إلى خارج القطاع لتلقي العلاج.

وحسب وزارة الصحة في غزة، فإن أمراض القلب أصبحت تمثل أكثر من 56% من أسباب الوفيات مع توقف 5 مراكز وتعطل عمليات القلب المفتوح وانعدام أدوات القسطرة القلبية والدعامات.

وبين قلب أنهكه المرض، وذاكرة ابنة غابت في الحرب، يبقى عياش عالقًا في مساحة قاسية من الانتظار؛ لا يملك فيها سوى أن يأمل بأن يصل إلى العلاج قبل أن يصبح التأخير خطرًا أكبر على حياته.

اخبار ذات صلة