فلسطين أون لاين

تامر.. نجا من الموت بساقٍ مبتورة

...
الشبل تامر اسليم، 16 عامًا
غزة/ هدى الدلو:

لم يكن باب البيت الذي خرج منه تامر اسليم، 16 عامًا، في القرارة جنوب قطاع غزة، يشبه الباب الذي عاد إليه بعد أسابيع من العلاج، ففي السابع والعشرين من يوليو/تموز 2026، كان يقف أمام منزله حين وقع استهداف إسرائيلي في المكان، فاستشهد مواطن وأصيب تامر إصابة مباشرة طالت أنحاء متفرقة من جسده، لتبدأ رحلة طويلة بين المستشفيات والعمليات، انتهت قبل أيام فقط بخروجه إلى البيت.

كان تامر في حالة حرجة للغاية عند وصوله إلى المستشفى، حتى إن الأطباء صنفوا حالته في البداية بأنها "موت سريري"، وفقاً لما ترويه والدته، وبعد محاولات لإنقاذ حياته، خضع لعمليات متتالية، كان أبرزها بتر ساقه.

تقول والدته لصحيفة "فلسطين": "كان وضعه خطيرًا جدًا، وصُنفت حالته موتًا سريريًا. في البداية بتروا قدمه من أسفل الركبة، لكن الإصابة كانت شديدة، واضطروا لاحقًا إلى إعادة البتر من فوقها".

ولم تكن الساق وحدها التي دفعت ثمن الاستهداف، فقد أصيب تامر في يده، تحديدًا في منطقة الكف والكوع، كما خلّفت الإصابة ثلاث حفر في ظهره، وتسببت في خلع عدد من أسنانه، في حين تعرضت شفتاه لإصابات بالغة احتاجت إلى تدخلات دقيقة لإعادة تجميعهما.

وتضيف والدته: "إصاباته كثيرة، في يده وظهره وفمه، هناك ثلاث حفر في ظهره، وبعض أسنانه خُلعت، وشفتاه تم تجميعهما بصعوبة، وما زال يحتاج إلى عمليات تجميل".

بالنسبة إلى والدة تامر، لا تقتصر خسارتها في ساق ابنها أو إصاباته المتعددة، فقبل أن يصبح جريحًا، كان تامر الابن الأكبر الذي كبر في منزل غاب عنه والده منذ سنوات.

فقد استشهد والده في حرب عام 2014، ومنذ ذلك الوقت تولت والدته تربيته ورعايته، وهي تنتظر اليوم الذي يكبر فيه ويصبح شابًا تعتمد عليه ويحمل معها أعباء الحياة.

ولكن الحرب أعادت إليها الفقد بصورة أخرى؛ لم تفقد تامر هذه المرة، لكنها استقبلته طفلاً خرج من المستشفى بجسد مختلف وحياة مختلفة.

وتتابع الأم: "والده استشهد في حرب 2014، وتامر هو بكره، ربيته يومًا بعد يوم وأنا أنتظر اليوم الذي يكبر فيه ويصبح شابًا أعتمد عليه ويحمل المسؤولية عني".

غير أن تامر، حتى بعد خروجه من المستشفى، لا يبدو قادرًا على استيعاب حجم التحول الذي طرأ على حياته، فكل ما حدث مرّ سريعًا أمامه، وما زال يشعر كأنه عالق بين لحظة الإصابة ولحظة النجاة.

تروي والدته أن ابنها يكرر عليها: "لحد الآن مش حاسس حالي صاحي، حاسس إني بحلم ومش قادر أصحى منه".

كان خروج تامر من المستشفى مناسبة يفترض أن تحمل شيئًا من الفرح؛ عاد إلى البيت حيًا، بعد أن نجا من إصابة بالغة الخطورة. لكن لحظة وصوله كشفت له شيئًا آخر: نظرات الأطفال من حوله.

أخرجته والدته إلى أمام المنزل، وحين رأى مجموعة من الأطفال حوله، لم يحتمل المشهد، بكى، ليس فقط بسبب ما فقده، وإنما بسبب الطريقة التي شعر بها أن الآخرين ينظرون إليه.

تتابع الأم: "لما طلع من المستشفى وأخذته إلى باب البيت، شاف الولاد حواليه وبدأ يبكي. قال لي: حسيت حالي أبصر كيف، بطلعوا فيّ بنظرات ما قدرت أفهمها".

كانت تلك اللحظة، بالنسبة إلى والدته، أشبه باكتشاف تامر لأول مرة أن حياته تغيرت. لم يعد الطفل الذي اعتاد الوقوف أمام البيت ومشاهدة أقرانه وهم يلعبون، بل شاب في السادسة عشرة عاد من المستشفى بساق مبتورة وجسد يحمل آثار الإصابة.

وبالرغم من خروجه من المستشفى، لم تنتهِ رحلة العلاج، إذ يحمل تامر تحويلة طبية وينتظر السفر خارج قطاع غزة لاستكمال علاجه، في مقدمة احتياجاته تركيب طرف صناعي يعينه على استعادة قدر من الحركة والاستقلالية، إلى جانب إجراء عمليات تجميل لمعالجة آثار الإصابات التي طالت وجهه وشفتيه، فضلًا عن زراعة الأسنان التي فقد بعضها من جراء الإصابة.

وتبقى والدته معلقة بين أمل أن يفتح السفر أمام ابنها بابًا لاستكمال العلاج، وخوف من أن تطول فترة الانتظار، إذ يحتاج تامر إلى رعاية وعمليات متتابعة.

في السادسة عشرة، كان يفترض أن يبدأ تامر في رسم ملامح شبابه؛ لكنه وجد نفسه مضطرًا إلى أن يتعلم كيف يعيش بجسد نجا، وذاكرة ما زالت تبحث عن طريقها للخروج من كابوس لم يستيقظ منه بعد.

المصدر / فلسطين أون لاين