قائمة الموقع

عام على قصف الدوحة حين استُهدفت الوساطة

2026-09-09T10:35:00+03:00
فلسطين أون لاين

في التاسع من سبتمبر 2025، لم تكن الدوحة أمام حادث أمني عابر يمكن إدراجه في سجل العمليات الإسرائيلية ثم تجاوزه، بل كانت أمام واقعة ذات دلالة إستراتيجية وقانونية تتجاوز حدود الهدف المباشر للعملية؛ فقد كان وفد حماس المفاوض موجودًا في العاصمة القطرية لمناقشة مقترح أمريكي يتعلق بوقف الحرب، في حين تعرض المكان الذي يحتضن العملية السياسية لهجوم إسرائيلي استهدف قيادات الوفد، وفي مقدمتهم خليل الحية، وبذلك انتقلت المواجهة من جغرافيا الحرب في غزة إلى فضاء السيادة العربية وإلى قلب العملية الدبلوماسية ذاتها.

المفارقة الكبرى أن إسرائيل لم تضرب وفدًا عسكريًا في ميدان مفتوح، وإنما استهدفت وفدًا سياسيًا كان يجتمع داخل دولة ذات سيادة وتؤدي وظيفة الوسيط في واحدة من أعقد أزمات الشرق الأوسط، وهي مفارقة تكشف طبيعة العقل السياسي الإسرائيلي الذي لا يرى في الحدود السياسية والقواعد الدبلوماسية قيودًا مطلقة عندما تتعارض مع حساباته الأمنية. وهنا يصبح السؤال أعمق من مسألة الاغتيال ذاته؛ لأن الاعتداء على الوسيط يعني عمليًا الاعتداء على البيئة السياسية التي يفترض أن تسمح بالتفاوض وتبادل الرسائل وصناعة التسويات.

لقد كان المشهد أكثر دلالة؛ لأن الوفد لم يكن يجتمع لمناقشة استمرار الحرب، وإنما لبحث مقترح أمريكي لوقفها، وهذا يجعل العملية، من منظور سياسي، استهدافًا مزدوجًا: الأول استهداف قيادات حماس، والثاني استهداف احتمالات التفاهم التي كانت واشنطن تحاول هندستها.

وبين المستويين تظهر مشكلة استراتيجية كبرى، مفادها أن القوة حين تدخل إلى غرفة التفاوض من الباب العسكري، فإنها تفرغ الدبلوماسية من مضمونها، وتحول الاتفاقات من أدوات لإدارة الصراع إلى أوراق قابلة للحرق كلما قرر طرف امتلاك حق الفيتو بالقوة.

ومن هنا تنبغي قراءة الدوحة باعتبارها اختبارًا لمفهوم السيادة في النظام الإقليمي العربي؛ فالسيادة ليست علمًا يرفع على مبنى ولا حدودًا مرسومة على خريطة، وإنما هي قدرة الدولة على حماية مجالها السياسي والقانوني، ومنع قوة أجنبية من تحويل أراضيها إلى ساحة عمليات دون تفويض أو مساءلة.

وعندما تقع عملية عسكرية داخل دولة وسيطة، فإن المسألة لا تتعلق بالدولة المستهدفة وحدها، بل تمس منظومة العلاقات الدولية التي يفترض أن توفر الحد الأدنى من الحصانة للمسارات الدبلوماسية والوساطات السياسية.

كما أن البعد القانوني للواقعة لا يقل أهمية عن بعدها السياسي؛ فاللجوء إلى القوة داخل إقليم دولة أخرى يضع أمام المجتمع الدولي أسئلة تتصل بمبادئ السيادة وعدم استخدام القوة وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

وإذا كانت الوساطة تحتاج إلى بيئة آمنة حتى تنجح، فإن استهداف الوسطاء أو أطراف التفاوض يهدد إحدى الأدوات الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي الحديث.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن التساهل مع سابقة كهذه لا يجعل الفلسطينيين وحدهم أكثر عرضة للخطر، وإنما يفتح الباب أمام تحويل العواصم الوسيطة إلى أهداف مشروعة في منطق القوة.

بعد عام، تبدو المفارقة أكثر عمقًا؛ فقد نجا خليل الحية والوفد القيادي، بينما استشهد نجله همام ومدير مكتبه وثلاثة من مرافقيه وعنصر من الأمن القطري، ثم عاد الرجل نفسه إلى صدارة المشهد السياسي للحركة، في وقت اختارت فيه حماس الانخراط مجددًا في المسار السياسي والتعامل مع خارطة ملادينوف باعتبارها مسارًا لتنفيذ خطة ترامب.

وهذا التطور يكشف أن محاولة تصفية القيادة لم تنجح في تحقيق الغاية السياسية التي يمكن افتراضها، وهي إخراج الحركة من المجال التفاوضي أو فرض معادلة سياسية جديدة بواسطة الاغتيال.

والأخطر أن إسرائيل في المقابل لم تواجه حتى الآن مستوى من المساءلة يناسب خطورة ضرب طاولة تفاوض في دولة وسيطة.

ولذلك فإن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ذكرى سنوية لاستحضار الضحايا، وإنما إلى سؤال إستراتيجية بشأن مستقبل الدبلوماسية في المنطقة.

فإذا كان الطرف الذي يملك التفوق العسكري يستطيع تعطيل التفاوض متى شاء دون تكلفة سياسية وقانونية رادعة، فإن أي اتفاق يصبح معرضًا للانهيار عند أول اختبار حقيقي، وتصبح الوساطة نفسها وظيفة محفوفة بالمخاطر، وقد تتردد الدول في استضافة المفاوضات إذا لم تكن قادرة على حماية أراضيها وممثليها وضيوفها.

إن ذكرى الدوحة بعد عام ينبغي أن تتحول لذلك من مناسبة لاستعادة تفاصيل الهجوم إلى مناسبة لإعادة تعريف المشكلة. فالخطر لم يكن في الصاروخ وحده، وإنما في الفكرة التي حملها الصاروخ، وهي أن القوة تستطيع أن تعيد رسم حدود السياسة، وأن الاغتيال يمكن أن يصبح أداة لإدارة المفاوضات، وأن سيادة الدول يمكن أن تتراجع أمام فائض القوة.

وهنا تتقاطع السياسة مع الفلسفة والقانون؛ لأن النظام الدولي لا يستمد استمراره من توازن القوة وحده، وإنما من قواعد يعتقد الجميع أنها ملزمة. فإذا أصبحت القاعدة انتقائية والمساءلة انتقائية، تحولت الدبلوماسية إلى هدنة مؤقتة بين جولات من الإكراه.

ومن ثم، فإن السؤال الذي تطرحه الدوحة بعد عام ليس من نجا ومن استشهد فقط، وإنما من يملك حق حماية طاولة التفاوض، ومن يضمن ألا تتحول أي عاصمة عربية تستضيف السلام غدًا إلى هدف عسكري اليوم؟ فإذا لم تكن هناك إجابة واضحة، فإن المشكلة ليست في مستقبل اتفاق بعينه، وإنما في مستقبل فكرة الوساطة ذاتها.

اخبار ذات صلة