تعود مسألة الشراكة الوطنية إلى واجهة المشهد السياسي، ليس بوصفها خلافًا إجرائيًا حول طريقة تشكيل المجلس الوطني أو اختيار أعضائه، بل باعتبارها سؤالًا جوهريًا يتصل بمن يملك حق تمثيل الشعب الفلسطيني، ومن يحوز شرعية اتخاذ القرار في لحظة بالغة التعقيد تفرض إعادة بناء النظام السياسي على أسس التوافق والتمثيل الواسع.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي د. ثابت العمور أن الشراكة لم تعد خيارًا يحتمل التأجيل، بل استحقاق يرتبط بإعادة بناء الدولة، ومنظمة التحرير، والمشروع الوطني برمته.
ويؤكد العمور لـ"فلسطين" أن أي محاولة لإعادة إنتاج المؤسسات بمعزل عن توافق حقيقي ستعمق الأزمة بدل حلها، مشيرًا إلى أن التجربة برهنت أن الانفراد بالقرارات المصيرية كبّد الشعب أثمانًا باهظة، ما يوجب صياغتها بإرادة جماعية تشارك فيها مختلف المكونات.
وتكتسب هذه الدعوة إلحاحًا مضاعفًا بالنظر إلى الواقع الديموغرافي؛ إذ تشير معطيات الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن عدد الفلسطينيين حول العالم بلغ بنهاية عام 2025 نحو 15.5 مليون نسمة، منهم 8.1 مليون في الشتات، و5.6 مليون في الداخل. هذا الانتشار الجغرافي يضع أي مؤسسة تدّعي التمثيل أمام استحقاق التعبير الفعلي عن الداخل والشتات والقدس والضفة وغزة، بمختلف التيارات الفكرية والسياسية.
أزمة الشرعية قبل أزمة الآليات
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين أن الخلاف الدائر يتجاوز الجوانب الفنية المتعلقة بالانتخاب أو التعيين؛ فهو في جوهره "معركة حول تعريف الشرعية الفلسطينية ومن يملك حق إنتاجها".
ويوضح شاهين لـ"فلسطين" أن المجلس الوطني لا ينبغي أن يكون مجرد هيئة تعكس موازين القوى الراهنة، بل مؤسسة تستمد شرعيتها مباشرة من الإرادة الشعبية لتمارس الرقابة والمساءلة. وتكمن خطورة التفرد في تحويل المؤسسات التمثيلية إلى أطر مغلقة تُدار بقرارات فوقية تعطل التفويض الشعبي.
وهنا تبرز المعضلة الجوهرية: كيف تُبنى مؤسسات جامعة في ظل غياب التوافق على قواعد التمثيل ذاتها؟ فالانتخابات وحدها تعجز عن إنتاج الاستقرار دون معايير مسبقة وواضحة، والتوافق يغدو معطلًا إن تحول إلى ذريعة دائمة لمصادرة حق الجماهير في الاختيار.
ويستدعي هذا المأزق تجربة الانتخابات التشريعية عام 2006، حين حصدت قائمة "التغيير والإصلاح" التابعة لحركة حماس 74 مقعدًا مقابل 45 مقعدًا لقائمة "فتح"، قبل أن تنزلق التباينات السياسية والأمنية إلى انقسام عام 2007.
ويجمع المحللون على أن هذا الدرس تاريخي وحاسم: الانتخابات آلية ضرورية لتجديد الشرعيات، لكنها لا تصنع استقرارًا بمفردها إن افتقرت إلى التزام القوى بنتائجها وإيمانها بمبدأ التداول السلمي للسلطة.
ويلفت العمور إلى أن انتخابات 2006 انطوت على مفارقة؛ إذ مثلت نموذجًا تنافسيًا في جانبها الإجرائي، غير أنها أعقبت بمرحلة دامية. وهذا لا يبرر إسقاط الخيار الديمقراطي، بل يفرض توفير حاضنة سياسية وقانونية توافقية تصون النتائج وتحول دون تحول التباين إلى صراع صفري على السلطة والشرعية.
مجلس وطني جامع ومعضلة الشتات
بدوره، يشدد الكاتب مصطفى أبو السعود لـ"فلسطين" على ضرورة صون وظيفة المجلس الوطني بيتًا جامعًا يحظر إقصاء أي مكوّن. ويرى أن الضامن الحقيقي لذلك هو الاحتكام إلى إرادة القواعد الشعبية، بعيدًا عن المحاصصة أو التعيينات الفوقية.
ويعدّ أبو السعود ملف الشتات المعيار الأدق لجدية الإصلاح؛ فوجود أكثر من نصف الشعب خارج وطنه يجعل تمثيلهم ركيزة في صلب الشرعية، لا تفصيلًا إداريًا. ويتطلب ذلك حسم أسئلة تصويت الخارج بشفافية: كيف يقترعون؟ من يرسم دوائرهم؟ وكيف تُحمى العملية من الهيمنة الحزبية لمنع إفراغها من مضمونها؟
أمام هذا التحدي الجغرافي، يطرح شاهين مقاربة عملية تجمع بين المسارين: إجراء الانتخابات حيثما أمكن، واعتماد التوافق المؤقت حيث يتعذر الاقتراع، دون تحويل الاستثناء إلى حالة دائمة.
ويوضح أن تعذر تنظيم انتخابات متزامنة في كل الساحات لا يُسقط مبدأ التمثيل الديمقراطي، مقترحًا مسارًا مرحليًا يبدأ بميثاق وطني يحدد قواعد التمثيل والنظام الانتخابي بمشاركة الفصائل والمستقلين والمرأة والشباب، وينتهي بجداول زمنية ملزمة لنقل التمثيل التوافقي إلى تفويض انتخابي ناجز.
تجديد الدماء واستيعاب التحولات
من جانبه، يدعو أبو السعود إلى كسر الجمود الجيلي عبر إدماج الكفاءات الشبابية في الهيئات القيادية؛ بوصفهم الشريحة التي تحمّلت أعباء الانقسام والحروب وباتت تملك رؤى مواكبة للعصر، مشيرًا إلى أن تكلس الهياكل التقليدية لم يعد مبررًا داخل مجتمع فتي.
وينسحب هذا المطلب على إشراك المرأة والنقابات المهنية والمستقلين والجاليات، بوصفه ضرورة بنيوية لإعادة مواءمة المؤسسات مع التحولات المجتمعية والسياسية العميقة، وليس مجرد حضور شكلي.
في المحصلة، تتقاطع رؤى المحللين حول حقيقة واحدة: أزمة المجلس الوطني هي انعكاس لأزمة المنظومة السياسية برمتها، وأي إصلاح فيه يفتح حتمًا ملفات منظمة التحرير، وعلاقة الفصائل بها، ومستقبل السلطة الوطنية، وآليات القرار.
ويجزم العمور بأن شعبًا يرزح تحت الاحتلال لا يملك رفاهية التعايش مع الانقسام أو تعدد مراكز القرار. ويلاقيه شاهين بالتأكيد على أن المؤسسات القائمة على الإقصاء تحمل بذور فنائها، بينما تشكل الشراكة مدخلًا وحيدًا لترميم الثقة؛ فيما يرى أبو السعود أن الانتخابات الحرة تظل السياج الأقوى لمنع التفرد واحتكار القرار الوطني.