من بين ركام الحرب وضجيج النزوح، خرجت قصيدة فلسطينية تحمل ذاكرة المكان ووجع الإنسان إلى واحدة من أبرز المنصات الشعرية العربية. الشاعرة الفلسطينية سمية وادي فازت بجائزة عبد العزيز سعود البابطين عن فئة أفضل قصيدة لعام 2026، في إنجاز جديد يضيف حضورًا فلسطينيًا لافتًا إلى المشهد الشعري العربي.
بالنسبة لسمية، لم يكن الفوز مجرد جائزة، بل تحقيقًا لحلم ظل يرافقها حتى في أقسى ظروف الحرب، تقول لصحيفة "فلسطين": "كان حرفيًا حلمًا أسعى لتحقيقه، وكنت أنتظر أن تنطبق الشروط عليّ للمشاركة، حتى في الحرب كنت أتابع موعدها".
قصيدة وُلدت من رحم الحرب
القصيدة الفائزة كانت أول نص تكتبه سمية خلال الحرب، بعد انقطاع دام أربعة أشهر، كتبتها في مدينة رفح خلال الأيام الأولى من نزوحها، حين منحتها المدينة شيئًا من الاستقرار وسط حياة مثقلة بالخوف والاقتلاع.
وتضيف: "القصيدة التي فزت فيها هي أول نص شعري أكتبه في الحرب، بعد انقطاع أربعة أشهر لم أكتب فيها حرفًا، كتبتها في رفح في أيامي الأولى، وقد أعطتنا رفح وقتها شيئًا من الاستقرار وقليلًا من الأمان رغم ضجيج النزوح وازدحام الحياة".
فحمل المكان إلى القصيدة لم يكن قرارًا واعيًا بقدر ما كان انعكاسًا لهوية فلسطينية يصعب فصلها عن الوطن. وتتابع سمية: "ارتباط الشاعر الفلسطيني بمكانه يشبه قدرًا لا يستطيع الانفكاك عنه"، موضحة: "هي عقدة الفلسطيني الذي لا ينفك عن وطنه مهما كانت التضحيات".
وفي مواجهة الحرب تهدد بمحو تفاصيل المكان والإنسان، حيث ترى وادي أن الكتابة تصبح شكلًا من أشكال حفظ الوجود، وتتابع: "نحن نبحث عن الخلود في الصوت والصورة والكلمة، هذه الكتابات هي حارسة للذاكرة، وحصن للإرث الفلسطيني".
وتؤكد أن الأدب يستطيع أن يكون وثيقة تتجاوز اللحظة، وتقول: "تقول إننا كنا هنا وإننا أصحاب حق سيعود ولو بعد أجيال".
وقد تركت الحرب والنزوح أثرًا واضحًا في لغتها الشعرية، وتوضح أن كثيرًا من المشاعر الصاخبة تحولت إلى باهتة، فيما ولدت مفردات وصور جديدة من رحم التجربة، مستشهدة بعناوين نصوص كتبتها مثل: "الطريق إلى نتساريم" و"قصائد ناجية من الخوارزمية" و"الطحين".
غزة أعادت تشكيل الشاعرة
ولا ترى سمية أن غزة شكّلت تجربتها الشعرية فحسب، بل تعد أنها أعادت تشكيل الإنسان من حولها. تقول: "غزة حوّلت العالم بأسره، شكّلت الأشخاص من جديد، غيّرت التفكير واليوميات والعقل الباطن".
وعن تجربتها الشخصية تضيف: "غزة صنعتني بكامل حزني، وبكامل قوتي، وبأحلامي التي تقاوم حتى الموت".
أما وصول صوتها إلى منصة البابطين، فكان بالنسبة إليها لحظة اعتزاز كبيرة، تضيف عنها: "فخورة جدًا، كما لو أنني صعدت منصة أمام جمهور من مئات الآلاف، ينتظرون من ابنة الإبادة وابنة غزة الجريحة أن تقول كلمتها".
وتصف القصيدة الفائزة بأنها شهادة شعرية على تفاصيل الحرب، فهي تتكون من عشرة مقاطع تتناول النزوح والموت والبحر والمساعدات والفراق والخيام، وما رافق ذلك من انتظار وألم.
تتابع سمية حديثها: "أصعب ما يواجهه الشاعر الفلسطيني هو الحفاظ على صوته الخاص وسط ثقل المأساة الجماعية"، موضحة أن الشاب الفلسطيني الشاعر يخاف كثيرًا أن يفقد ذاته ومشاعره الخاصة في ازدحام الهموم.
ومع ذلك، تحاول أن تترك مساحة للحب والصداقة والحياة داخل نصوصها، حتى لا تتحول القصيدة إلى صورة واحدة للبؤس.
وتحمل سمية رسالتين من خلال تجربتها: الأولى أن الفلسطيني، والغزي تحديدًا، قادر على الحضور من خلال الإبداع واللغة، والثانية أن غزة، رغم وجعها، تضيف إلى الأدب العربي معاني جديدة عن الحب والأمل وانتظار الحبيب، حتى في أقسى الظروف.
وبعد الفوز، ترى الشاعرة أن مسؤوليتها لم تتغير، لأنها كانت حاضرة في كتابتها قبل الجائزة وبعدها، وللشباب الفلسطيني الذين يتمسكون بالكلمة والفن وسط الحرب، توجه رسالة واضحة: "الكلمة واجب وطني وأخلاقي على كل من يملكها أن يقولها في قصيدة أو نص نثري، أو حتى فيديو مسجل".
ثم تختم بعبارة تختصر علاقتها بالكلمة والشهادة: "لا تتعلموا مني، وإنما من الشهداء الذين قالوا كلمتهم الأخيرة حتى أضاءت وصارت الكلمة الأولى لمن بعدهم".