فلسطين أون لاين

السلم الأهلي.. حين يصبح القانون حصن المجتمع

من طبيعة المجتمع البشري أن تتفرق الأهواء، وتختلف المصالح، وتتشعب المواقف، فليس في وقوع الخصومة بين الناس ما يستدعي الفزع، ولا ما يبعث على القلق؛ فإنما ذلك شأن كل جماعة ضمت أشتاتاً من البشر، تتفاوت طباعهم وتتباين مآربهم، وليس في اختلاف العائلات في مصالحها ومواقفها ما ينذر بشر مستطير. فذلك مما لا يخلو منه مجتمع حي، ولا تسلم منه جماعة متماسكة، ولكن الخطر كل الخطر، والداء كل الداء، أن تنتقل الخصومة من ميدان الحوار والإصلاح إلى ميدان السلاح، وأن يتحول الخلاف العابر الذي كان يمكن أن ينتهي بكلمة طيبة، أو موقف حكيم، أو مجلس صلح يجمع الشمل ويطفئ النار، إلى ثأر مستديم يتوارثه الأبناء عن الآباء، وتتغذى به الأحقاد جيلاً بعد جيل، حتى يصبح الدم الفلسطيني نتيجة مألوفة لنزاع كان أوله كلمة عابرة، أو لحظة غضب عاجلة، أو سوء فهم كان يمكن أن يزول بلقاء، أو وساطة، أو تدخل من ذوي العقول الراجحة.

إن الدم الفلسطيني خط أحمر لا يجوز تجاوزه، ولا يقبل سياسياً ولا اجتماعياً ولا أخلاقياً أن تتخذ الخلافات العائلية والشخصية ذريعة للقتل، أو وسيلة للترويع، أو مبرراً لأخذ القانون باليد، فإن المجتمع الذي يسمح للسلاح بأن يكون مرجعاً في خصوماته وحكماً في منازعاته لا يفقد الأمن وحده فحسب، بل يفقد معه هيبة القانون، وتنهار في ظله الثقة العامة التي هي عماد العمران وأساس الاجتماع، ويبدأ ذلك المجتمع في الانتقال البطيء والخطير من دولة النظام إلى منطق القوة، ومن المواطنة المتكافئة إلى العصبية العمياء، ومن الحق العام الذي يجمع الناس تحت لوائه إلى حق الجماعة الذي يفرقهم ويشتت شملهم. وهذا هو أخطر ما ينبغي التنبه إليه في هذه المرحلة الدقيقة التي يحتاج فيها قطاع غزة إلى أعلى درجات التماسك الاجتماعي، وإلى جبهة داخلية متماسكة لا تنفذ منها سهام الأعداء، ولا تتسرب منها عوامل الوهن والضعف.

إن السلاح في المجتمع ليس مجرد أداة مادية يمكن النظر إليها بمعزل عن وظيفتها السياسية والاجتماعية، بل هو ظاهرة مركبة تحمل في طياتها معاني القوة والسلطة والهيبة والردع، وهو حين يخرج من وظيفته المشروعة في مقاومة الاحتلال وحماية الشعب والأرض، ويتحول إلى وسيلة للثأر أو فرض النفوذ أو تسوية الحسابات الشخصية، فإنه يتحول من عنصر قوة إلى عامل استنزاف داخلي، ومن وسيلة ردع للعدوان إلى وسيلة لإنتاج عدوان جديد لا يبقي ولا يذر.

ولذلك، فإن ضبط سلاح الأفراد والعائلات ليس موقفاً ضد القوة كما قد يتوهم بعضهم، وإنما هو دفاع عن مفهوم القوة ذاته؛ لأن القوة التي لا يحكمها القانون تنقلب على صاحبها وعلى المجتمع الذي يحملها. والسلاح الذي يرفع في وجه المواطن الآمن لا يصنع هيبة تحترم، وإنما يصنع خوفاً يستنكر، والسلاح الذي يستخدم في نزاع عائلي لا يحسم الخلاف من جذوره، وإنما يفتح سلسلة من الثارات قد تمتد سنوات طوالاً، وتنتقل من جيل إلى جيل ومن فرد إلى آخر، حتى لكأن النار التي أشعلت بشرارة واحدة تظل تأكل في الهشيم ولا تنطفئ.

وهنا تصبح مسؤولية المجتمع أكبر من مجرد إصدار بيانات الإدانة والشجب، أو الوقوف عند حدود الكلام الذي لا يتجاوز الحناجر. إذ المطلوب بناء وعي اجتماعي راسخ يرفض الاستقواء بالسلاح، كما يرفض تبرير الجريمة باسم العائلة أو الكرامة أو العادات، فإن كرامة العائلة لا تكون بقتل أبناء المجتمع، ولا بترويع الآمنين، ولا بإشاعة الفوضى، وإنما تكون بحماية أبنائها من الانزلاق إلى الجريمة، وصونهم من الوقوع في مهاوي الثأر التي لا قرار لها.

وإن من أعظم ما يفسد على الناس أمرهم أن يلتمسوا العزة في غير موضعها، فيظنوا أن القوة في حمل السلاح وإشهاره في وجوه الآمنين، وما هي القوة في ذلك، وإنما القوة في كظم الغيظ، والعفو عند المقدرة، والاحتكام إلى العقل حين تغلي النفوس، والرجوع إلى القانون حين تلتبس الأمور.

ومن هنا، فإن معالجة جرائم القتل والاعتداء لا يمكن أن تقوم على منطق الانتقام؛ لأن الانتقام لا ينتج عدالة ترضي الضمير، وإنما ينتج جريمة جديدة قد تكون أكثر اتساعاً وأشد فتكاً من الجريمة الأولى، فتستحيل الدماء إلى نهر لا ينقطع جريانه.

وإن القانون ليس خصماً للعائلة، ولا عدواً للعرف الاجتماعي كما قد يظن بعض من غلبتهم الحمية، وإنما هو الإطار الذي يمنع تحول العرف إلى فوضى، ويحمي حق الضحية من الضياع، ويمنع في الوقت ذاته تحويل أهل الجاني إلى ضحايا جدد تثور ثائرتهم ويستباح دمهم.

ولذلك ينبغي أن تتكامل ثلاثة مسارات في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة: مسار قضائي يضمن إنفاذ القانون ومحاسبة المعتدين، ومسار أمني يمنع الترويع وإشهار السلاح في المناسبات والنزاعات، ومسار اجتماعي تقوده لجان الإصلاح والوجهاء وأهل الحل والعقد لاحتواء أسباب النزاع قبل أن تتحول إلى دم وثأر.

وفي هذا السياق، تصبح هيبة القضاء جزءاً من الأمن الوطني؛ لأن المواطن حين يثق بأن حقه سيصل إليه عبر القانون، تقل حاجته إلى استدعاء القوة الخاصة أو العائلية، وحين يدرك المعتدي أن السلاح لن يمنحه حصانة ولا نفوذاً، تتراجع دوافع الفوضى ويعود المجتمع إلى ميزان الحق بدل ميزان القوة، وإلى سلطان العدل بدل سلطان الغلبة.

ولا يستقيم إنفاذ القانون إذا ارتبط بالمحاباة أو الاستثناء، فإن أخطر ما يهدد سلطة القانون أن يشعر الناس بأن هناك من يستطيع الإفلات من المساءلة بسبب مكانته أو انتمائه أو قوته الاجتماعية، فالقانون الذي يطبق على الضعيف ويتردد أمام القوي يفقد أثره الرادع، ويمنح الفوضى شرعية غير معلنة تسري في النفوس قبل أن تظهر في السلوك.

ولذلك، فإن دعم الأجهزة الأمنية والقضائية لا ينبغي أن يكون شعاراً سياسياً عابراً يرفع في المناسبات ثم ينسى، بل يجب أن يكون موقفاً وطنياً ثابتاً يحمي المجتمع من التفكك ويصون حق المواطنين في الأمن والكرامة.

وفي الوقت نفسه، فإن هذه المسؤولية لا تقع على المؤسسات الرسمية وحدها؛ فالوجهاء والمصلحون والأعيان والخطباء وقادة الرأي والإعلاميون يشكلون منظومة تأثير قادرة على منع الأزمة قبل انفجارها، والتدخل المبكر في النزاعات ليس ترفاً اجتماعياً يستحسن فعله، بل هو إجراء وقائي يحمي الأرواح ويقطع الطريق أمام انتقال المشكلة من خلاف محدود إلى فتنة عامة تأكل الأخضر واليابس.

ويجب أن يتحول خطاب الإصلاح من معالجة ما بعد الجريمة إلى منع الجريمة قبل وقوعها، فإن درهم وقاية خير من قنطار علاج، وإن كلمة تقال في وقتها قد تطفئ ناراً كان يمكن أن تأكل حياً كاملاً.

وتزداد خطورة الفلتان الداخلي في قطاع غزة؛ لأن المجتمع يعيش ظرفاً استثنائياً لا يحتمل استنزاف طاقته في صراعات داخلية تفتح عليه أبواباً من الوهن لا تغلق، فالمجتمع الذي يواجه الاحتلال والحصار والدمار والتهجير يحتاج إلى جبهة داخلية صلبة لا تخترق، وإلى قدر من التضامن يجعله قادراً على مواجهة المخاطر الكبرى التي تحدق به من كل جانب، وليس من الحكمة في شيء أن يسمح لأسباب عائلية أو شخصية عابرة بأن تفتح ثغرات في هذه الجبهة، فيتسرب منها الوهن ويتمكن منها الأعداء.

إن الفلتان الداخلي لا يضر المواطن وحده، ولا يضر عائلة بعينها، وإنما يضعف البنية الاجتماعية كلها، ويستنزف المؤسسات، ويشتت جهودها، ويهز الثقة العامة التي هي رأس مال المجتمع في أوقات الشدة، ويمنح خصوم الشعب فرصة ذهبية لاستثمار الانقسام الداخلي وتوظيفه لمصلحتهم. ولذلك، فإن حماية السلم الأهلي جزء من حماية الأمن الوطني وليست قضية اجتماعية منفصلة عنه، وكل طلقة تطلق في نزاع داخلي، وكل عملية ثأر تنفذ، وكل حالة ترويع ترتكب، تقتطع من رصيد المجتمع في الصمود، وتمنح الفوضى مساحة جديدة للتمدد والانتشار. ولهذا ينبغي أن يكون الخطاب الإعلامي واضحاً في رفض السلاح العائلي حين يستخدم خارج القانون، وفي التأكيد على أن الدم الفلسطيني أثمن من أي خصومة، وأن وحدة المجتمع ليست شعاراً احتفالياً يرفع في المناسبات، وإنما هي شرط من شروط البقاء، وأساس من أسس الوجود، وضمانة من ضمانات المستقبل.

إن الرسالة التي ينبغي أن تتصدر الخطاب الإعلامي والاجتماعي في هذه المرحلة الدقيقة هي رسالة واضحة لا لبس فيها ولا مواربة: لا للثأر والفوضى والاستقواء بالسلاح، ونعم للقانون والإصلاح وحماية الدم الفلسطيني.

وهذه الرسالة لا تعني إلغاء دور العائلة، ولا الانتقاص من مكانة الوجهاء، ولا رفض الأعراف الاجتماعية الراسخة، وإنما تعني وضع كل ذلك داخل الإطار الذي يحفظ المجتمع من الانهيار ويصون كيانه من التفكك. إن الخلاف يمكن أن يعالج، والحقوق يمكن أن تسترد، والجرائم يمكن أن يحاسب مرتكبوها. أما الدم إذا سال، فلا تعيده مجالس الإصلاح، ولا تعوضه بيانات الاعتذار، ولا تنساه ذاكرة الأجيال. ولذلك، فإن أعظم الإصلاح أن نمنع الجريمة قبل وقوعها، وأعظم قوة أن يملك المجتمع القدرة على ضبط نفسه، وأعظم وطنية أن يحفظ الفلسطيني دم الفلسطيني، وأن يجعل القانون مرجعه، والعدل ميزانه، والإصلاح طريقه.

إن حماية السلم الأهلي اليوم ليست مهمة الأجهزة وحدها، ولا العائلات وحدها، ولا الوجهاء وحدهم، وإنما هي عقد اجتماعي وأخلاقي وسياسي يشترك فيه الجميع، كل من موقعه وبقدر استطاعته؛ لأن المجتمع الذي يحفظ دماء أبنائه هو وحده المجتمع القادر على حماية قضيته وأرضه ومستقبله، وإن الأمة التي تضيع أبناءها في صراعات داخلية عبثية لا تملك أن تواجه أعداءها في ميادين الحق، وإنما تفتح لهم أبوابها بيدها وتمكنهم من مقومات بقائها وهي لا تشعر.

فلنكن عند مستوى المسؤولية، ولنجعل من القانون حصناً نلوذ به، ومن العدل ميزاناً نحتكم إليه، ومن الإصلاح طريقاً نسير عليه، حفاظاً على دمائنا التي هي أثمن ما نملك، وذوداً عن مجتمعنا الذي هو آخر معاقل الصمود، وحماية لقضيتنا التي هي أعدل قضايا الأرض.

المصدر / فلسطين أون لاين