حذّر المدير العام السابق للتخطيط والسياسات في وزارة الزراعة بغزة م. نزار الوحيدي من استمرار انهيار القطاع الزراعي في قطاع غزة بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، مشيرًا إلى أن أكثر من 90% من الأراضي الزراعية خرجت عن الخدمة، فيما تراجع الإنتاج السنوي من نحو 450 ألف طن قبل الحرب إلى أقل من 30 ألف طن حاليًا.
جاء ذلك خلال لقاء "نبض غزة" الذي نظمته صحيفة "فلسطين" أمس بعنوان "الزراعة والثروة الحيوانية في غزة بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب.. ماذا بقي وكيف يمكن استعادة إنتاج الغذاء؟"، وأداره الزميل نبيل سنونو، بحضور مجموعة من الإعلاميين والصحفيين.
وقال الوحيدي: إن مساحة زراعة الخضراوات تقلصت من أكثر من 93 ألف دونم إلى نحو 4 آلاف دونم، فيما تجاوزت الخسائر المباشرة وغير المباشرة للقطاع الزراعي 3.5 مليارات دولار، بالتزامن مع تدمير أكثر من 1,233 بئرًا زراعيًا وشبكات الري، وتضرر الدفيئات والثروة الحيوانية.
وأضاف أن هذه التطورات دفعت قطاع غزة من مستوى من الأمن الغذائي النسبي والاكتفاء الذاتي الجزئي إلى اعتماد شبه مطلق على المساعدات الغذائية.
الأراضي الزراعية.. أكثر من 90% خارج الخدمة
وأوضح الوحيدي أن قطاع غزة كان يمتلك قبل الحرب نحو 172 ألف دونم من الأراضي الزراعية، كانت تزرع أكثر من مرة سنويًا، لتتجاوز المساحة المحصولية 220 ألف دونم، فيما كان الإنتاج السنوي يزيد على 450 ألف طن من المواد الغذائية.
وقال إن القطاع كان يحقق مستوى من الأمن الغذائي النسبي بفضل الإنتاج المحلي، لكن القدرة التشغيلية الحالية للقطاع الزراعي لا تتجاوز، وفق تقديراته، 5% من مستوياتها السابقة، بينما لم يتبق من المساحات القابلة للزراعة والإنتاج سوى أقل من 4% مقارنة بما كان قائمًا قبل الحرب.
وأشار إلى أن فرض الاحتلال ما يعرف بالخط الأصفر والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي أدى إلى تقييد الوصول إلى أكثر من 75% من مساحة القطاع، فيما تنحصر المساحات المتاحة للزراعة حاليًا في نحو 5 إلى 6 آلاف دونم، وفي ظروف ميدانية صعبة.
وبيّن أن الأراضي الزراعية المتضررة يمكن تقسيمها، وفق إمكانية الوصول والتأهيل، إلى أراضٍ متاحة وسليمة نسبيًا، وأخرى متضررة لكنها قابلة للإصلاح، وأراضٍ يتعذر الوصول إليها.
وأوضح أن نحو 50% إلى 60% من الأراضي المتضررة لا تزال قابلة للتأهيل من الناحية الزراعية، بينما يتعذر الوصول إلى نحو 35% إلى 40%، خصوصًا في المناطق الحدودية.
وأشار إلى أن محافظتي بيت لاهيا وبيت حانون كانتا من أهم المناطق الزراعية في شمال القطاع، ولا سيما في إنتاج الفواكه، فيما كانت المنطقة الشرقية من خان يونس، بما فيها عبسان وخزاعة وبني سهيلا، من أهم مناطق إنتاج الخضراوات.
أما رفح، فقد فقدت نسبة كبيرة من مقوماتها الزراعية، بينما بقيت مناطق في المحافظة الوسطى ومواصي خان يونس من أكثر المناطق قدرة على مواصلة النشاط الزراعي نسبيًا.
الدمار طال التربة
وأكد الوحيدي أن الضرر الذي لحق بالأراضي تجاوز تدمير المحاصيل إلى التربة نفسها، نتيجة التجريف ومرور الآليات الثقيلة والقصف، ما أدى إلى انضغاط التربة وفقدان جزء من طبقتها السطحية الخصبة وتراجع المادة العضوية والنشاط الحيوي فيها.
وحذّر من مخاطر تراكم الملوثات وبقايا المتفجرات وتملح التربة، مشيرًا إلى أن بعض الأراضي قد تحتاج إلى عمليات استصلاح معقدة قبل إعادة استخدامها.
وفي قطاع المياه، قال الوحيدي إن أكثر من 1,233 بئرًا زراعيًا دمرت.
وأضاف أن المزارعين في المناطق المتاحة اضطروا في بعض الحالات إلى الاعتماد على مياه جوفية أكثر ملوحة، الأمر الذي يفاقم مشكلة تملح التربة ويؤثر في المحاصيل.
وأوضح أن أزمة المياه في غزة كانت قائمة قبل الحرب، إلا أن تدمير شبكات المياه والصرف الصحي أدى إلى تفاقمها، وزاد مخاطر تسرب مياه الصرف الصحي إلى الخزان الجوفي.
كما أدى انقطاع الكهرباء ونقص الوقود وتضرر أنظمة الطاقة الشمسية والمضخات إلى تعطيل آبار بقيت قائمة من الناحية الإنشائية.
تراجع القدرة على فحص المياه والتربة
وأشار الوحيدي إلى أن القدرة على قياس جودة المياه والتربة تأثرت كذلك بعد تدمير مبنى المختبرات التابع لوزارة الزراعة، موضحًا أن ذلك حرم الجهات المختصة من إجراء الفحوص اللازمة لقياس الملوحة والحموضة والقلوية والكشف عن بعض الملوثات والمواد السامة.
وبحسبه، أصبح الاعتماد بدرجة أكبر على الخبرات الميدانية للمختصين في ظل تراجع الإمكانات اللازمة لإجراء الفحوص.
الإنتاج الزراعي ينهار
وفي الإنتاج النباتي، أكد الوحيدي أن الإنتاج الزراعي تراجع بأكثر من 80% مقارنة بما قبل الحرب، من نحو 450 ألف طن سنويًا إلى أقل من 30 ألف طن، فيما تقلصت مساحة الخضراوات من أكثر من 93 ألف دونم إلى نحو 4 آلاف دونم.
وقال إن الزراعة الحالية تتركز بدرجة كبيرة على الورقيات والمحاصيل قصيرة الدورة، بينما اختفت الفواكه تقريبًا من مناطق واسعة، ولم يبق منها سوى إنتاج محدود في بعض المناطق الوسطى، إضافة إلى كميات محدودة من الجوافة.
وأشار إلى أن أشجار الزيتون، التي كانت تمثل أحد المحاصيل الرئيسية في القطاع، تعرضت لخسائر واسعة، موضحًا أن غزة كانت قبل الحرب تتجه نحو زيادة إنتاج الزيتون والزيت، مع التوسع في استخدام المياه المعالجة لري الأشجار المثمرة.
انهيار الزراعة يصل إلى مائدة المواطن
وقال الوحيدي إن تراجع الإنتاج الزراعي انعكس بصورة مباشرة على أسعار الغذاء ومائدة المواطن في قطاع غزة.
وأوضح أن طبق السلطة الذي كانت مكوناته من إنتاج غزة قبل الحرب يكلف نحو 2 إلى 4 شواكل، بينما تضاعف سعره حاليًا.
وأشار إلى أن بعض المنتجات، ومنها الجوافة، أصبحت مرتفعة الثمن في غزة، باعتبار ذلك "سعر الندرة"، نتيجة محدودية الإنتاج منها.
وفي المقابل، قال إن سعر الفلفل والباذنجان المزروعين في غزة بدأ يصبح مقبولًا.
وأوضح أن معظم الإنتاج الحالي في غزة هو من الورقيات وبعض أنواع الثمار الأخرى.
الزراعة كانت مصدر عمل وإنتاج
وأشار الوحيدي إلى أن القطاع الزراعي كان يشغّل قبل الحرب نحو 66 ألف عامل، بينهم ما لا يقل عن 25% من النساء، كما كان يساهم بنحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي.
وقال إن الحرب أدت إلى فقدان عدد من المهندسين والخبراء الزراعيين، إضافة إلى تدمير جزء من البنية المؤسسية والخدمات الفنية، ما صعّب عملية إدارة الأراضي المتبقية وإعادة تشغيل الإنتاج.
وأوضح أن القطاع كان يشهد قبل الحرب تطورًا في الزراعة المائية والزراعة دون تربة والزراعة المعلقة، مشيرًا إلى أن إنتاج دونم الفراولة ارتفع في بعض التجارب من نحو 3 أطنان إلى 10 أطنان.
كما أشار إلى وجود تجارب لاستخدام المياه المعالجة وإنتاج بعض البذور محليًا.
نقص مستلزمات الإنتاج
وقال الوحيدي إن المزارعين يعانون نقصًا حادًا في البذور والأسمدة وشبكات الري وقطع الغيار والمعدات، مؤكدًا أن انقطاع التوريد حرم المزارعين من القدرة على استعادة الإنتاج.
وأشار إلى اعتماد غزة بدرجة كبيرة على أصناف هجينة ذات مواصفات خاصة، ما يجعل استمرار الإنتاج مرتبطًا بتوفير البذور من الخارج في ظل محدودية القدرة المحلية على إكثارها.
الدفيئات.. دمار واسع
وبشأن الدفيئات، أوضح الوحيدي أن القطاع كان يضم ما بين 40 و50 ألف دفيئة، تعرض أكثر من 85% إلى 90% منها للدمار أو أضرار جسيمة.
وأضاف أن إعادة تشغيل المنشآت المتبقية تواجه نقصًا في الهياكل المعدنية والبلاستيك وشبكات الري والمضخات وأجهزة التهوية.
انهيار الثروة الحيوانية
وفي الثروة الحيوانية، قال الوحيدي إن غزة فقدت نحو 95% من الأبقار والماشية خلال الحرب، نتيجة تدمير الحظائر ونقص الأعلاف والمياه والنفوق والذبح الاضطراري.
كما انهار قطاع الدواجن وإنتاج البيض بنحو 99%، ونفقت أعداد كبيرة من الطيور بسبب نقص الأعلاف والطاقة وتدمير المزارع.
ما الذي يمكن استعادته؟
ويرى الوحيدي أن استعادة الخضراوات سريعة النمو وقطاع الدواجن يمكن أن تبدأ خلال عام إذا توفرت المياه والمدخلات الأساسية، بينما تحتاج الأشجار المثمرة إلى سنوات أطول لاستعادة إنتاجها.
وشدد على أن الأولوية الأولى يجب أن تكون إصلاح آبار المياه وشبكات الري، يليها إزالة الركام والذخائر ومخلفات الحرب من الأراضي، ثم توفير البذور والمدخلات والآليات والوقود، إلى جانب دعم المزارعين بالسيولة المالية.
كما دعا إلى إجراء تقييم شامل للموارد المائية المتاحة وإعادة تنظيم استخدامها، والتوسع في الزراعة الرأسية والمعلقة لتعويض محدودية المساحات، مشيرًا إلى أن الاحتياجات المائية للزراعة تراجعت إلى نحو 10% من مستوياتها السابقة نتيجة تقلص المساحات المزروعة.
خطة للتعافي الزراعي
وطرح الوحيدي خطة للتعافي تقوم على إخلاء الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة من المقيمين فيها وتوفير بدائل للسكن، وتكثيف التدريب والإرشاد الزراعي لتعويض النقص في الكوادر، ووضع خطة تعافٍ قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وتسريع تدوير المخلفات والاستفادة منها في إنتاج السماد العضوي.
كما دعا إلى إجراء تقييم شامل للموارد المائية المتاحة وإعادة تنظيم استخدامها، والتوسع في الزراعة الرأسية والمعلقة لتعويض محدودية المساحات، مشيراً إلى أن الاحتياجات المائية للزراعة تراجعت إلى نحو 10% من مستوياتها السابقة نتيجة تقلص المساحات المزروعة.
وطالب بفتح المعابر أمام مستلزمات الإنتاج الزراعي والحيواني، وإزالة القيود التي تعيق إدخال البذور والأعلاف والأسمدة والمعدات، معتبرًا أن استمرار نقص هذه المواد يمنع المزارعين من استغلال حتى المساحات المحدودة المتاحة حاليًا.
ودعا كذلك إلى إعادة بناء التنسيق المؤسسي بين الجهات الزراعية في غزة والضفة الغربية.
مساحات صغيرة تحاول العودة
وأكد الوحيدي أن إمكانية استئناف جزء من النشاط الزراعي ما تزال قائمة، خصوصًا في المناطق التي تتوفر فيها الأرض والمياه.
وأشار إلى أن سكان غزة بدأوا بالفعل بزراعة مساحات صغيرة وعبوات محدودة بمحاصيل مثل اليقطين والبندورة والخيار وغيرها، إلا أن توسيع هذا النشاط يتطلب توفير المياه والبذور والمدخلات وإمكانية الوصول الآمن إلى الأراضي.
وأكد أن تمسّك المزارع بأرضه رغم الحرب والدمار دليل على الإرادة الفلسطينية في البقاء والإنتاج.
وحذّر من أن استمرار تدهور القطاع الزراعي سيؤدي إلى خسارة إضافية في التربة والثروة الحيوانية والخبرات الزراعية، ويزيد اعتماد غزة على المساعدات الغذائية.
وأكد أن استعادة الإنتاج تتطلب الانتقال من المساعدات الطارئة إلى خطة عملية لإعادة بناء المياه والتربة والمدخلات والبنية الزراعية والكوادر وقدرة المزارع على الإنتاج.





