لم ينجُ قطاع الصيد البحري في قطاع غزة، من تداعيات الحرب إذ تعرضت مراكب الصيادين ومعداتهم ومرافقهم ومنشآتهم للقصف والتدمير، في وقت يواصل الاحتلال الإسرائيلي منع الصيادين من الوصول إلى البحر ما حوّل مهنة الصيد إلى مصدر خطر دائم يهدد حياة العاملين فيها.
ويقول رئيس النقابة العامة للعاملين في الصيد والإنتاج البحري زكريا بكر في حوار مع صحيفة "فلسطين": إن الاحتلال تعمد منذ بداية حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر/تشرين الأول 2023 استهداف قطاع الصيد بشكل واسع من خلال القصف الجوي والبحري الذي طال مختلف مرافق الصيادين وممتلكاتهم.
ويقدر بكر، حجم الخسائر التي لحقت بقطاع الصيد بنحو 95 بالمائة من القطاع ككل، مشيرًا إلى أن الدمار لم يقتصر على مراكب الصيد ومعداته، بل امتد إلى غرف الصيادين والمنشآت والمرافق المرتبطة بالمهنة.
تدمير متعمد
ويبيّن رئيس النقابة، أن الاستهداف طال كذلك القطاعات المساندة لمهنة الصيد، ومنها مصانع الثلج وورش صيانة المراكب والمعدات، إضافة إلى مخازن مستلزمات الصيد وشباك الصيادين، حتى تلك الموجودة خارج نطاق الموانئ.
ويؤكد بكر، أن هذه الاستهدافات ألحقت أضرارًا واسعة بالبنية الاقتصادية المرتبطة بقطاع الصيد، وأفقدت آلاف العاملين مصادر رزقهم، في ظل صعوبة إعادة تشغيل المرافق أو استيراد المعدات اللازمة لتعويض ما دمرته الحرب.
ويشير إلى أن الهدف من هذه السياسة يتمثل في إبعاد الصيادين عن البحر وحرمانهم من مصدر رزقهم الأساسي، مؤكدًا أن المنع لم يتوقف منذ اللحظة الأولى للحرب وحتى الوقت الراهن.
ويقول بكر: إن الاحتلال يمنع الصيادين من دخول البحر بصورة شبه كاملة وإن عمليات الصيد التي تجري حاليًا تتم في ظروف بالغة الخطورة حيث يغامر الصيادون بحياتهم من أجل تأمين قوت عائلاتهم.
ويضيف: الصياد بات يدخل البحر وهو يدرك أنه قد لا يعود منه، في ظل احتمالات تعرضه للاستهداف أو الإصابة أو الاعتقال أو تدمير قاربه.
ويؤكد أن الخيارات أمام الصيادين محدودة وأن معظمها محفوف بالمخاطر خصوصًا أن الصياد الذي يحاول الوصول إلى البحر لا يضمن العودة إلى منزله وقد ينتهي به الأمر شهيدًا أو مصابًا أو معتقلًا.
ويشير بكر، إلى أن الأخطر في عمليات الاستهداف يتمثل في استخدام الطائرات المسيّرة التي تلقي القنابل باتجاه الصيادين أثناء محاولتهم العمل وتأمين مصدر رزقهم.
ويوضح أن أقصى مدى يمكن للصياد الوصول إليه لا يتجاوز نحو كيلومتر واحد ورغم ذلك يتعرض الصيادون بصورة متكررة لإطلاق النار والقصف بمختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة.
ويتابع: أن الخطر لا يقتصر على إطلاق النار بل يشمل أيضًا استهداف القوارب وتفجيرها، الأمر الذي جعل ممارسة الصيد في البحر مغامرة محفوفة بالموت بدلًا من كونها مهنة توفر الغذاء والدخل.
ما قبل العصر الحديث
وعلى صعيد واقع مهنة الصيد، قال بكر: إن الصياد في غزة عاد بفعل الدمار والحصار والمنع، إلى ظروف تشبه ما قبل العصر الحديث، بعدما فقد معظم أدوات ومعدات العمل التي كان يعتمد عليها.
ويؤكد بكر، أن أي محرك لقارب صيد لم يتحرك في البحر منذ بداية الحرب، في ظل تدمير المراكب وتعطيل المعدات ومنع الصيادين من الوصول الآمن إلى البحر.
ويضيف: الصيادون باتوا أمام واقع اقتصادي وإنساني بالغ الصعوبة، إذ فقدوا مصدر دخلهم الأساسي، في وقت لا تتوفر فيه البدائل اللازمة لتعويضهم أو إعادة بناء القطاع الذي دمرته الحرب.
مصدر رزق
ويشير بكر، إلى أن قطاع الصيد كان يمثل مصدر رزق أساسي لآلاف الأسر في القطاع، كما كان يسهم في توفير الغذاء وتحريك قطاعات اقتصادية مرتبطة به، مثل ورش الصيانة ومصانع الثلج ومخازن معدات الصيد.
لكن تدمير هذه المنظومة أدى إلى شلل واسع في القطاع، وأصبح الصياد الذي يحاول استعادة جزء من نشاطه الاقتصادي يواجه خطرًا مباشرًا على حياته.
ويشدد على أن إعادة تشغيل قطاع الصيد تحتاج إلى وقف الاستهداف والسماح للصيادين بالوصول إلى البحر، إلى جانب تعويض الخسائر وإعادة تأهيل الموانئ والمراكب وورش الصيانة وتوفير معدات الصيد.
وبحسب بكر، فإن استمرار منع الصيادين من العمل لا يعني فقط حرمانهم من مصدر رزق، بل يهدد مستقبل قطاع اقتصادي كامل، ويضاعف معاناة آلاف الأسر التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على البحر.
خسائر بشرية
ويكشف بكر، أن قطاع الصيد دفع ثمنًا بشريًا كبيرًا منذ بداية الحرب، مشيرًا إلى تسجيل استشهاد نحو 233 صيادًا، إلى جانب إصابة أكثر من 160 آخرين.
ويوضح أن عددًا من الإصابات خلّف إعاقات دائمة لدى الصيادين، ما يعني أن آثار الاستهداف لا تتوقف عند لحظة الإصابة وإنما تمتد إلى مستقبل المصاب وأسرته وقدرته على العمل وإعالة عائلته.
كما يشير إلى اعتقال أكثر من 150 صيادًا خلال الفترة الماضية، مؤكدًا أن هؤلاء تعرضوا، بحسب إفادات لظروف وصفها بالمهينة والمذلة للكرامة الإنسانية.
ويؤكد رئيس النقابة، أن الهجمات الإسرائيلية على الصيادين لم تتوقف بل تتكرر بين الحين والآخر من خلال الزوارق الحربية، التي تنفذ عمليات إطلاق نار واستهداف للمراكب.
ويشير إلى أن الأيام الأخيرة شهدت تصعيدًا جديدًا تمثل في إصابة خمسة صيادين كانوا على متن ثلاثة مراكب، بينهم صياد من عائلة الشيخ أصيب بجروح خطيرة.
ويوضح أن مثل هذه الحوادث تؤكد استمرار الخطر الذي يواجهه الصيادون في كل محاولة للوصول إلى البحر، حتى ضمن المسافات المحدودة التي يحاولون العمل فيها.