في خيمة نزوح قسري بمواصي خان يونس، لم تعد ضحكة سما أبو جليدان، ذات الأعوام العشرة، تملأ المكان كما كانت، الطفلة التي اعتاد أهل المخيم أن يطلقوا عليها لقب "دلوعة المخيم" لعفويتها وضحكتها البريئة، تقضي أيامها الآن بين الألم والصمت، بعدما غيّرت إصابة خطيرة مسار حياتها في لحظات، وأفقدتها القدرة على إدراك الضوء بعينها اليسرى.
في 7 يوليو/تموز 2026، كانت سما برفقة والدتها وشقيقها في الخيمة الخاصة بهم، عندما استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي مواطنين في الشارع المجاور لهم، وفق رواية والدها، لم تمر لحظات حتى أصابت الشظايا أفراد الأسرة، لكن إصابة سما كانت الأخطر بينهم، بعدما تضررت عينها اليسرى بصورة بالغة.
يقول والدها لصحيفة "فلسطين": "أصابت الشظايا كرة العين اليسرى إصابة انفجارية شديدة، تسببت في تمزق واسع فيها وامتدت الأضرار إلى الجزء الخلفي من العين، وفقدت ابنتي القدرة على إدراك الضوء"، ولم تتوقف الإصابة عند ذلك، إذ أصيبت كذلك بجرح عميق وكامل السماكة في الجفن السفلي، مع فقدان جزء من الأنسجة المحيطة.
خضعت الطفلة في يوم إصابتها لعملية جراحية أولية هدفت إلى إصلاح العين والتعامل مع الأضرار المباشرة، إلا أن حالتها لا تزال بالغة الخطورة، بحسب ما يرويه والدها، وتحتاج إلى تدخل جراحي تخصصي عاجل لإعادة بناء محجر العين وترميم الجفن والأنسجة المتضررة، في محاولة للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من العين ومعالجة آثار الإصابة.
ويضيف والدها: "تواصلت مع أطباء خارج القطاع، وأخبروني أن سرعة التعامل مع حالتها والتدخل المبكر قد يعيدان شيئًا من الأمل، لذلك أنا أنتظر بفارغ الصبر أن تحصل ابنتي على فرصة للعلاج قبل أن يصبح التأخير عائقًا أمام إنقاذ ما يمكن إنقاذه".
وأمام الأعداد الهائلة من الجرحى والمرضى وأصحاب التحويلات الطبية، والذين ينتظر كثير منهم على مدار قرابة ثلاث سنوات دورهم في مغادرة القطاع لتلقي العلاج وسط حصار إسرائيلي، يعيش والد سما على وقع خوف آخر، حيث يخشى أن يطول انتظار ابنته، وأن يمر الوقت في حين تحتاج حالتها إلى تدخل عاجل، فتضيع عليها فرصة العلاج التي قد تمنحها أملًا في إنقاذ عينها وترميم الأنسجة المتضررة.
لكن رحلة العلاج بالنسبة إلى أسرة نازحة لا تتوقف عند حدود الحاجة الطبية، فالإمكانيات المتاحة داخل القطاع، والاحتياجات الجراحية التخصصية التي تتطلبها إصابة سما، تجعلان العلاج في الخارج ضرورة ملحّة بالنسبة إلى والدها، الذي يناشد توفير تحويل طبي عاجل لطفلته.
"سما بحاجة إلى العلاج في الخارج، وإلى عمليات دقيقة ومعقدة لترميم العين ومحجرها والجفن والأنسجة التي تضررت، حالتها لا تحتمل الانتظار، وكل ما أريده أن تحصل ابنتي على فرصة للعلاج قبل فوات الأوان"، يقول الأب.
وبينما يكافح والدها للحصول على فرصة علاج، تكافح سما من أجل التكيف مع واقع جديد لم تختره، فقد تعامل معها معالجون نفسيون لمساعدتها على تجاوز الصدمة، لكنها لا تزال تمر بأوقات قاسية؛ تصمت أحيانًا لفترات طويلة، وتمتنع عن تناول الطعام في أوقات أخرى، في سلوك يصفه والدها بأنه انعكاس لما تركته الإصابة في نفسها.
ويتابع: "كانت سما دلوعة المخيم، تضحك من قلبها وتتحرك بعفوية بين الناس، الآن أحيانًا تجلس صامتة، وأحيانًا لا تريد أن تأكل، أحاول أن أضحكها وأشجعها، لكنني أعرف أن ما حدث لها أكبر من قدرتها على التحمل".
ولم تكن الإصابة قد أخذت من سما قدرتها على رؤية الضوء فحسب، بل قطعت أيضًا طريقًا كانت قد بدأته بحماس في عطلتها الصيفية، فكانت قد شرعت في حفظ القرآن مع بداية الإجازة، قبل أن تتحول أيامها إلى مواعيد علاج وألم وانتظار.
اليوم، تنتظر سما، ومثلها آلاف المرضى والجرحى الغزيين، فرصة للخروج من القطاع، لا لتعود إلى حياتها السابقة كما كانت فحسب، بل لتبدأ رحلة علاج قد تمنحها أملًا في ترميم ما أصاب عينها ووجهها، واستعادة شيء من قدرتها على مواصلة طفولتها.