قائمة الموقع

"البحر بيعنّ عليّ".. الحرب تدمر أسطول "الريّس فرحات" وتغيب نجله

2026-09-06T09:34:00+03:00
الصياد الثمانيني محمود حسن فرحات
فلسطين أون لاين

على رمال الشاطئ الناعمة في مواصي خانيونس، يقف الصياد الثمانيني محمود حسن فرحات، شاخصًا ببصره نحو أفق البحر المتلاطم.

بعينين غائرتين أثقلهما شيب 81 عامًا، يراقب أحفاده الصغار وهم يخوضون المياه طلباً للاستحمام والهرب من حرارة الخيام الملتهبة.

يقف حارسًا أمينًا عليهم، خائفًا من أن تخطفهم أمواج البحر التي طالما صادقها وعاش بين أحضانها طيلة حياته.

تتصارع في ذهنه ذكريات أطول من عقود العمر؛ 65 عامًا كاملة قضاها "ريّسًا" وقائدًا للصيادين في عرض المياه، لم يعد البحر بالنسبة له اليوم سوى مسرحٍ لذكريات ضائعة ومأساة لم تنتهِ فصولها بعد، إنها قصة جيل كامل من صيادي فلسطين، يجسدها الريس فرحات الذي ورث المهنة كابرًا عن كابر.

"البحر بيعنّ عليّ"، بهذه الكلمات البسيطة والمحملة بالشجن يصف الريّس فرحات لصحيفة "فلسطين" حنينه المفرط للمياه.

ينتمي فرحات إلى بلدة "جورة عسقلان" المهجرة، حيث أورثه أبوه -الذي كان أكبر ريّس هناك- أسرار الموج.

بالنسبة له، الصيد ليس مجرد مهنة لجلب القوت، بل هو إدمان وسيرة حياة تسري في العروق، حياة ملؤها الشقاء والتعب والخوف، حيث لا يأتي القرش إلا بعرق الجبين ودم القلب.

يسرد الريّس بكبرياء الصيادين القدامى كيف كانت الشواطئ قديماً تزخر بالخيرات والأسماك الوفيرة، يتذكر الأيام التي كان يخرج فيها صباحاً ليوزع كميات السردين والسمك الكبير هدايا على أسرته وجيرانه وأصدقائه.

بحسرة وألم، يسترجع كيف دار الزمان وتغيرت الأحوال، حتى أصبح السمك الصغير الذي لم يكونوا يلتفتون إليه في الماضي حلمًا صعب المنال يُشترى بأغلى الأثمان.

لكن غبار الحرب الحالية أتى على كل ما بناه فرحات عبر عقود من العرق، أثناء نزوحه القسري من مواصي مدينة رفح إلى مواصي خانيونس، ذاق مرارة الهوان وقسوة الاستغلال.

في غمضة عين، دمر الاحتلال الإسرائيلي حسكته الوحيدة ومحركها ذي الـ 30 حصانًا، وهي ممتلكات تتجاوز قيمتها 15 ألف دولار في حينه.

لم تتوقف الخسائر المادية عند معدات الصيد، بل امتدت لتلتهم بيته المكون من أربعة طوابق، ومحاله التجارية وثلاجات التجميد، لتجهز الحرب على أسطول الصيد الخاص به وبأبنائه جميعًا.

تحولت القوارب إلى حطام، ولم يترك الاحتلال لهذه العائلة العريقة سوى الحسرة على شاطئ خالي الشباك، لا تُصاد فيه سوى أسماك صغيرة تالفة.

غير أن الفقد الأشد إيلامًا في قلب الريّس محمود لم يكن المنزل ولا القوارب المدمرة، إنه نجله "مازن" صاحب الـ 40 عامًا، الذي غاب واختفت آثاره منذ بداية الحرب قبل ثلاثة أعوام.

يروي الأب المكلوم كيف اختفى نجل هادئ الطباع، دون أن يعرف له طريقًا أو مصيرًا حتى هذه اللحظة.

بحث الأب في كل مكان وأبلغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكن دون جدوى أو مجيب، يظل غياب "مازن" جرحًا غائرًا ينزف في قلب الصياد الثمانيني، يغيب جسد الابن وتتحسس الأبصار طيفه مع كل موجة ترتطم بالرمال.

تجربة الفقد هذه أطفأت في قلب الشيخ فرحة البحر، وأحلّت مكانها حزنًا لا يمحوه الزمن.

وفي وسط هذه المعاناة، يعاني الصياد المسن قسوة حياة النزوح ومرارة الغربة في وطنه، يرى كيف انقلبت الأحوال وقُهر الرجال، لكنه يرفض السقوط في بئر اليأس.

يصر الريّس على التمسك بالإيمان العميق، مكررًا بثقة أن الرزق والفرج يأتيان من الله وحده، وأن التقوى هي المخرج الوحيد من كل ضيق ومحنة.

يقف الريّس محمود اليوم على الرمال، ليس ليقود سفينته كعهده القديم، بل ليكتفي برعاية أحفاده، ينظر بعيدًا نحو الأفق الممتد، يلهث بلسان ذاكر ودعاء لا يملّه: أن يمنّ الله عليهم بالأمن والسكينة، وأن يعيدهم إلى ديارهم سالمين غانمين، لتنتهي رحلة التيه والنزوح، ويستريح جسده المنهك.

اخبار ذات صلة