كشف تحقيق لصحيفة "الغارديان" البريطانية أن مقتل 7 من عمال الإغاثة التابعين لمنظمة "المطبخ المركزي العالمي" في غارة إسرائيلية على قطاع غزة في أبريل/ نيسان 2024، ارتبط بممارسة عسكرية إسرائيلية تقوم على ما وصفه التحقيق بـ"الإدانة بالارتباط".
ويقصد بـ"الإدانة بالارتباط" تصنيف أشخاص على أنهم أهداف بسبب صلتهم بأشخاص مشتبه بهم أو وجودهم بالقرب منهم، دون أن يستند هذا التصنيف بالضرورة إلى أفعال ارتكبوها بأنفسهم، وفق ما أورده التحقيق.
وقالت الصحيفة، في تحقيق نشرته، اليوم السبت، واستند إلى مقابلات مع ضباط إسرائيليين شاركوا في الحادثة أو اطلعوا على التحقيقات الرسمية بشأنها، إن استهداف 3 مركبات تابعة للمنظمة، كانت تحمل علامات واضحة، ارتبط باستخدام ممارسة عسكرية واسعة الانتشار تعرف باسم "هافلالا" (haflala)، وتعني "الإدانة" أو "التجريم".
وقُتل في الغارة 3 عمال بريطانيين في المجال الإنساني، إضافة إلى أسترالية وفلسطيني وبولندي وشخص يحمل الجنسيتين الأمريكية والكندية، بعدما غادرت القافلة مستودعًا في مدينة دير البلح وسط القطاع، حيث كانت قد فرغت أكثر من 100 طن من المساعدات الإنسانية.
وكان المدعي العسكري الإسرائيلي الأعلى أعلن، في وقت سابق، عدم فتح إجراءات جنائية بشأن الحادثة، فيما أرجعت الرواية الرسمية للجيش مقتل العمال إلى "أخطاء ارتكبها عدد محدود من الضباط"، وتحدثت عن وجود حراس مسلحين مع قافلة المساعدات و"انحراف" عن المسار المتفق عليه، بحسب الصحيفة.
لكن تحقيق "الغارديان" قال إن الرواية الرسمية لم تتناول بشكل كافٍ دور "هافلالا"، التي تمنح القادة الميدانيين صلاحيات واسعة في تحديد من يمكن اعتباره هدفًا.
وتعد منظمة "المطبخ المركزي العالمي" من أبرز الجهات التي قدمت مساعدات غذائية في غزة منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وبحلول أبريل/ نيسان 2024، كانت المنظمة قد وزعت أكثر من 42 مليون وجبة عبر مطابخ ميدانية في رفح ودير البلح وشبكة من المطابخ المجتمعية، إلى جانب مساهمتها في فتح ممر بحري تجريبي من قبرص لإدخال مساعدات إلى القطاع.
تصنيف القافلة
ونقلت الصحيفة عن العقيد الاحتياط الإسرائيلي نوتشي مندل، الذي أمر بتنفيذ الغارات، قوله إن عمال "المطبخ المركزي العالمي" أصبحوا أهدافًا محتملة بعد لقاء قصير مع حراس مسلحين افترض أنهم من حركة "حماس"، قبل أن يتبين لاحقًا أن هذا الافتراض لا أساس له.
وقال مندل إن أفراد القافلة "اختلطوا" مع أشخاص يشتبه بانتمائهم إلى "حماس"، موضحًا أن الاختلاط يعني "القرب أو الحديث أو قضاء الوقت" مع أشخاص آخرين.
وعندما سئل عما إذا كان وجود مسلحين يجعل القافلة بأكملها هدفًا، أجاب: "بالتأكيد"، مضيفًا: "لم يكونوا أبرياء لأنهم كانوا مرتبطين بحماس".
وأشار التحقيق إلى أن مندل قال إن وحدته حظيت بإشادة من القيادة العسكرية بسبب عمليات استهدفت ما اعتُبر محاولات من "حماس" للسيطرة على المساعدات، مضيفًا أن الفارق في حادثة "المطبخ المركزي العالمي" كان مقتل مواطنين أجانب.
انتقادات وتحقيقات
وأثار الهجوم آنذاك موجة إدانات دولية واسعة، فيما وصف مؤسس المنظمة خوسيه أندريس الهجوم بأنه "استهداف ممنهج"، مطالبًا إسرائيل بوقف "القتل العشوائي واستخدام الطعام كسلاح".
أما الرئيسة التنفيذية للمنظمة إيرين غور، فاعتبرته "غير مقبول" وهجومًا على العمل الإنساني.
كما عبر الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن عن "الغضب والحزن"، مؤكدًا أن إسرائيل "لم تفعل ما يكفي لحماية عمال الإغاثة".
واستدعت بريطانيا السفيرة الإسرائيلية، مطالبة بتحقيق شفاف، فيما أعربت أستراليا وكندا عن غضبهما من الحادثة، وطالبتا "تل أبيب" بمحاسبة المسؤولين عنها.
ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الحادث بأنه "غير مقبول".
وفي تحقيقها، نقلت "الغارديان" عن منظمة "المطبخ المركزي العالمي" قولها إن قرار "إسرائيل عدم فتح إجراءات جنائية يتعارض مع الحقيقة الكاملة ومسيء للغاية".
وأكدت المنظمة أن فريقها في غزة كان غير مسلح ولم يشكل تهديدًا لأي طرف، وأن الجيش كان يمتلك معلومات عن تحركات الفريق وهوياته وأنشطته.
كما دانت بريطانيا وأستراليا وكندا قرار المدعي العسكري الإسرائيلي، وقالت إنها ستواصل السعي للحصول على إجابات بشأن مقتل عمال الإغاثة.
وحسب التحقيق، قال ضابط إسرائيلي مطلع على الحادثة، لم تسمه، إن غالبية الضباط كانوا سيتصرفون بالطريقة نفسها في ظل الإجراءات العسكرية القائمة، معتبرًا أن وجود رجال مسلحين قرب المركبات كان سيؤدي غالبًا إلى اتخاذ القرار ذاته.
من جهته، قال العميد الاحتياط أورن سولومون، المسؤول عن إدارة المعارك في فرقة غزة، إن خطأ وقع في تحديد وجود مسلح داخل إحدى المركبات، لكنه أضاف أن إجراءات "الإدانة بالارتباط" قادت بعد ذلك إلى تنفيذ الضربات الصاروخية.
تداعيات أوسع
وربط التحقيق بين حادثة "المطبخ المركزي العالمي" وطريقة استهداف أوسع خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، مشيرًا إلى أن قواعد الاشتباك التي تعتمد على الظروف المحلية وتقديرات القادة الميدانيين تمنح مساحة واسعة لتحديد الأهداف.
كما أشار إلى أن مهمة تدمير قدرة "حماس" على إدارة القطاع، التي حددتها الحكومة الإسرائيلية للجيش، جعلت أشخاصًا يُعتقد أنهم مرتبطون بإدارة المساعدات أو توزيعها عرضة للاستهداف.
ونقلت الصحيفة عن ضباط إسرائيليين أن اعتقادًا كان سائدًا داخل الجيش بأن "حماس" تسيطر على جزء كبير من عمليات توزيع المساعدات في غزة، قبل أن تظهر تحليلات لاحقة عدم دقة هذا الاعتقاد.
وخلص التحقيق إلى أن مبدأ "الإدانة بالارتباط" أصبح، بحسب الصحيفة، أحد العوامل المرتبطة بارتفاع نسبة المدنيين الذين قتلوا خلال الحرب، إلى جانب عوامل تتعلق بقواعد الاستهداف والمناطق المصنفة مناطق إطلاق نار.

