وضعت إجراءات أعلنها الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، لتشديد الملاحقة والعقوبات على الشركات المنخرطة في استغلال النفط قرب جزر مالفيناس/فوكلاند المتنازع عليها بين الأرجنتين وبريطانيا، شركة "نافيتاس بتروليوم" الإسرائيلية في قلب مواجهة قانونية واقتصادية، في تطور يضع علاقة ميلي الوثيقة برئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام اختبار غير معتاد.
جاء ذلك، بعد إعلان مجموعات أرجنتينية، إقامة دعوى قضائية لوقف مشروع نفطي بريطاني إسرائيلي قبالة سواحل جزر فوكلاند المتنازع عليها.
وتأتي الدعوى القضائية بعد يوم من تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأنه لا يستبعد مراجعة موقف واشنطن المحايد بشأن الأرخبيل المتنازع عليه.
وتسعى شركتا "روك هوبر إكسبلوريشن" البريطانية و"نافيتاس بتروليوم" الإسرائيلية إلى إقامة مشروع نفطي واسع النطاق في حقل النفط المعروف باسم "سي لاين"، على مسافة نحو 220 كيلومترا من فوكلاند، وفق ما ذكره قدامى محاربين ومحامون متخصصون في قضايا البيئة يقاضون الجهات المسؤولة عن المشروع بهدف وقفه.
وقال مقدمو الدعوى إن المشروع ينتهك قرارا للأمم المتحدة ينص على ضرورة تجنب الإجراءات الأحادية إذا وجد نزاع إقليمي قائم.
ورغم أن المشروع يُنفذ في منطقة خاضعة للسيطرة البريطانية، يجادل مقدمو الدعوى بأن قرارا تُصدره المحاكم المحلية قد يؤثر في سير العمل فيه.
وتسعى الشكوى إلى ضمان امتناع الشركتين عن "بدء الأعمال أو مواصلتها، فضلا عن الامتناع عن الشروع في عمليات استخراج الهيدروكربونات واستغلالها"، وفق ما أفاد المحامي إنريكي فيالي لوكالة الصحافة الفرنسية.
ويتمحور التصعيد الأخير حول مشروع "سي ليون" النفطي في المياه المحيطة بالجزر، الذي تديره "نافيتاس بتروليوم" المدرجة في بورصة "تل أبيب" بحصة تبلغ 65 بالمئة، بالشراكة مع "روكهوبّر إكسبلوريشن" المدرجة في لندن، التي تملك الحصة المتبقية البالغة 35 بالمئة.
وتعتبر الأرجنتين عمليات التنقيب والاستغلال التي تجري من دون ترخيص منها غير قانونية، فيما تقول الشركتان إنهما تعملان بموجب تراخيص صادرة عن سلطات الجزر وبدعم من الحكومة البريطانية.
وكانت "نافيتاس" و"روكهوبّر" خاضعتين بالفعل لحظر يمنعهما من العمل في الأرجنتين لمدة عشرين عامًا، لكن الإجراءات الجديدة التي أعلنها ميلي توسع نطاق الملاحقة المحتملة لتشمل أطرافًا مرتبطة بالأنشطة النفطية، بما في ذلك مساهمون ومديرون وموردون.
ونشرت الجريدة الرسمية الأرجنتينية، في 4 أيلول/ سبتمبر الجاري المرسوم رقم "868/2026"، الذي عين وزارة الخارجية سلطة لتطبيق القانون رقم "26.659"، المنظم للعقوبات على الأنشطة الهيدروكربونية التي تعتبرها الأرجنتين غير مرخصة في جرفها القاري.
وينص القانون على عقوبات قد تصل إلى منع الأشخاص أو الشركات المخالفة من ممارسة النشاط في البلاد لفترة تتراوح بين خمس سنوات و25 سنة. كما ألزم المرسوم أجهزة الدولة بإبلاغ وزارة الخارجية عن الأنشطة التي قد تدخل ضمن نطاق المخالفات، وشدد الإجراءات الإدارية للتحقيق فيها.
وأعلن ميلي كذلك عزمه إرسال مشروع قانون إلى الكونغرس لتعزيز الأدوات العقابية في مواجهة الشركات والأطراف المشاركة في استغلال الموارد حول الجزر.
وأثار التحرك ترحيبًا حذرًا لدى عدد من شخصيات المعارضة ومسؤولي مقاطعة تييرا ديل فويغو، الذين يؤيدون تشديد الإجراءات ضد الأنشطة النفطية قرب الجزر، لكنهم يتهمون حكومة ميلي بالتأخر في تطبيق القوانين القائمة.
وقال أندريس داتشاري، سكرتير شؤون مالفيناس وأنتاركتيكا وجزر جنوب الأطلسي والعلاقات الدولية في حكومة مقاطعة تييرا ديل فويغو، الواقعة في أقصى جنوب الأرجنتين، إن تشديد العقوبات يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح.
وأضاف، في تصريحات للصحافة المحلية، أن "التقدم في فرض العقوبات أمر صحيح".
وتابع: "إذا استطعنا أخيرًا البدء في وقف هذا النزيف الذي كانت تعنيه قضية مالفيناس، فمرحبًا بذلك".
ووصف داتشاري موقف الرئيس بأنه يمثل "تحولًا بمقدار 180 درجة"، في إشارة إلى اختلافه، من وجهة نظره، عن سياسة حكومة ميلي السابقة تجاه ملف الجزر.
نتنياهو ونافيتاس
وأعاد وجود نافيتاس في المشروع النفطي النقاش بشأن العلاقة السياسية الوثيقة بين ميلي ونتنياهو إلى الداخل الأرجنتيني.
وقالت النائبة الوطنية ميريام بريغمان، القيادية في جبهة اليسار والعمال، في منشور عقب خطاب ميلي، إن السلطات والصلاحيات الأمنية الجديدة التي تحدث عنها الرئيس "لن تكون بالطبع لملاحقة نتنياهو ومن أرسلوا نافيتاس إلى مالفيناس".
وكانت بريغمان قد شاركت، في أبريل الماضي، مع النائبين رومينا ديل بلا ونيستور بيترولا في تقديم مشروع قرار رسمي إلى مجلس النواب، يندد بزيارة ميلي إلى "إسرائيل" وبجوانب من علاقته بحكومتها.
كما هاجم القيادي في حزب العمال غابرييل سولانو سياسة ميلي بشأن الجزر، وربط ملف الموارد الطبيعية بعلاقاته الخارجية. وكتب سولانو على حسابه في منصة "إكس" أن حلفاء ميلي الدوليين يقفون، بحسب موقفه السياسي، وراء استغلال موارد الجزر، مضيفًا أن ذلك يبدأ "بالشركة الإسرائيلية نافيتاس".
وعلى الرغم من الجدل، لا تشير الإجراءات حتى الآن إلى تحول في سياسة حكومة ميلي تجاه "إسرائيل" نفسها.
وأكدت الخارجية الأرجنتينية أن التحرك المرتبط بنافيتاس ومشروع سي ليون لن يضر بالعلاقات الدبلوماسية مع "إسرائيل"، في إشارة إلى رغبة بوينس آيرس في الفصل بين تحالفها السياسي مع حكومة نتنياهو وبين تطبيق قوانينها المتعلقة بمالفيناس.
ويعد ميلي أحد أبرز حلفاء "إسرائيل" السياسيين في أميركا اللاتينية، ما يمنح القضية حساسية إضافية، إذ قد تمتد آثار الإجراءات التي يقدمها الرئيس باعتبارها دفاعًا عن السيادة الأرجنتينية إلى شركة مرتبطة بقوة بسوق المال والاستثمار الإسرائيلي.
وبذلك تحولت نافيتاس إلى نقطة التقاء بين ملفين يحتلان موقعًا متقدمًا في سياسة ميلي الخارجية: مطالبة الأرجنتين بالسيادة على مالفيناس من جهة، وتحالفه الوثيق مع "إسرائيل" ونتنياهو من جهة أخرى.
ويمنح هذا التداخل المعارضة الأرجنتينية مساحة لمطالبة ميلي بإثبات أن تشدده بشأن مالفيناس سيطبق على جميع الأطراف المرتبطة باستغلال موارد الجزر، بما فيها المصالح الإسرائيلية، في حين تصر حكومته على أن الملف يتعلق بالسيادة والقانون الأرجنتيني ولا يمثل مواجهة سياسية مع "إسرائيل".
توترات مستمرة
وتطلق الأرجنتين اسم "لاس مالفيناس" على الأرخبيل الواقع في جنوب المحيط الأطلسي، وقد حاولت دون نجاح انتزاعه من السيطرة البريطانية عام 1982.
وغزت قوات أرجنتينية الإقليم البريطاني عام 1982، مما دفع رئيسة الحكومة البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر إلى إرسال قوة لاستعادته.
وخاضت الأرجنتين وبريطانيا حربًا على الجزر عام 1982، ولا يزال النزاع على السيادة قائمًا حتى اليوم.