يواجه المواطنون مفارقة نقدية حادة فرضتها سياسات الاحتلال وإجراءاته التي تتحكم في حركة النقد والسيولة تتمثل في نقص حاد في السيولة النقدية في قطاع غزة، مقابل تراكم فائض الشيكل في الضفة الغربية.
ولا تقتصر المشكلة على اختلال توزيع السيولة، بل تتصل بجذر أعمق يتمثل في غياب نظام نقدي فلسطيني مستقل، نتيجة القيود التي يفرضها الاحتلال واعتماد الاقتصاد الفلسطيني على الشيكل الإسرائيلي، وهي عملة لا تملك المؤسسات الفلسطينية قرار إصدارها أو التحكم في تدفقها.
ويقول نضال شحرور، مواطن من الضفة الغربية، إن أزمة فائض الشيكل باتت تؤثر مباشرة على تعاملاته المالية، موضحًا أنه يحاول إيداع ما بحوزته من أموال في البنك، إلا أن المصرف يرفض في بعض الحالات استقبال النقد بالشيكل، بحجة وجود فائض في السيولة.
ويضيف لصحيفة "فلسطين" أن هذه الأزمة تنعكس على قدرته على الإيداع والادخار، وتضع المواطنين أمام صعوبة في التعامل مع مدخراتهم النقدية، خصوصًا في ظل غياب بدائل عملية تتيح لهم إيداع أموالهم والاحتفاظ بها بأمان داخل النظام المصرفي.
وفي المقابل، يواجه أهالي قطاع غزة أزمة سيولة خانقة نتيجة القيود والإجراءات الإسرائيلية التي تعرقل إدخال النقد وتحد من عمليات استبدال العملات وتحويل الأموال، ما دفع المواطنين إلى الاعتماد بشكل متزايد على وسائل الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية لتلبية احتياجاتهم اليومية.
إلا أن هذا التحول القسري نحو الدفع الرقمي لم يخلُ من مخاطر، إذ تقول المواطنة أسماء إن اضطرارها إلى التعامل بالوسائل الرقمية، في ظل محدودية الخبرة وضعف الوعي المالي والظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضتها الحرب والحصار، جعلها عرضة لعمليات نصب واحتيال، خسرت على إثرها أموالًا تجاوزت 26 ألف دولار، ما زاد من حالة الخوف والقلق التي تعيشها.
وتكشف المفارقة أن أزمة السيولة الفلسطينية ليست مجرد خلل مصرفي عابر، وإنما نتيجة مباشرة لواقع اقتصادي ونقدي فرضه الاحتلال الإسرائيلي، حرم الفلسطينيين من امتلاك أدوات نقدية مستقلة للتحكم في السيولة، وترك اقتصادهم عرضة لاختلالات حادة بين منطقة وأخرى.
ظروف معقدة
يقول الباحث الاقتصادي د. سيف الدين عودة إن فلسطين ليست استثناءً من حالة التحول العالمي نحو رقمنة المدفوعات، فقد شهد القطاع المصرفي والمالي خلال السنوات الأخيرة توسعًا في خدمات الدفع الإلكتروني، إلى جانب إطلاق بنية تحتية حديثة لأنظمة المدفوعات بإشراف سلطة النقد، بهدف الحد من استخدام النقد والتحول نحو الدفع الإلكتروني.
لكن عودة يوضح لصحيفة "فلسطين" أن التحول تزامن مع ظروف سياسية واقتصادية وأمنية معقدة جعلت الواقع النقدي الفلسطيني مختلفًا عن التجارب الدولية التقليدية، مؤكدًا أن رقمنة المدفوعات لا تعتمد على توفر التكنولوجيا فقط، وإنما تحتاج إلى بيئة اقتصادية ومؤسسية مستقرة تضمن استمرار الوصول إلى مختلف وسائل الدفع.
وتبرز هذه الخصوصية بصورة أكبر عند المقارنة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ ارتبطت التحديات في الضفة أساسًا بصعوبة ترحيل فائض الشيكل، في ضوء القيود المفروضة من الاحتلال على نقله إلى البنوك الإسرائيلية المراسلة، بينما يواجه القطاع أزمة معاكسة تتمثل في نقص وندرة السيولة النقدية.
ويشير عودة إلى أن قطاع غزة يعاني منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023 من أزمة غير مسبوقة في السيولة النقدية، نتيجة منع إدخال السيولة النقدية، إلى جانب توقف عمليات السحب والإيداع في البنوك لفترات، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين الأرصدة الإلكترونية المتاحة للأفراد وقدرتهم الفعلية على الحصول على النقد واستخدامه في معاملاتهم اليومية.
ويؤكد أن وجود رصيد في الحساب البنكي أو المحفظة الإلكترونية لا يعني بالضرورة امتلاك سيولة قابلة للاستخدام الفوري، موضحًا أن السيولة الإلكترونية تصبح ذات قيمة عملية عندما يستطيع صاحبها استخدامها في شراء السلع والخدمات أو تحويلها إلى نقد عند الحاجة.
وبالتالي، فإن أزمة غزة، وفق عودة، لم تكن بالضرورة أزمة غياب الأموال من الحسابات، بقدر ما كانت أزمة في القدرة على تحويل الأرصدة إلى وسيلة دفع قابلة للاستخدام في الأسواق والمعاملات التجارية.
انتقال مفاجئ وقسري
ومع ندرة النقد، اضطر المواطنون إلى التحول نحو استخدام التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية، في وقت لم تكن فيه البنية التحتية للدفع الإلكتروني مكتملة بالشكل الكافي، ما جعل الانتقال مفاجئًا وقسريًا.
ويشير عودة إلى أن هذه الظروف أدت إلى انتشار ما يعرف بـ"التكييش"، حيث اضطر المواطنون إلى دفع عمولات مرتفعة للحصول على النقد مقابل أرصدتهم الإلكترونية، تراوحت في بعض الفترات بين 30% و35%، ووصلت في بعض الحالات إلى نحو 50%.
ويرى عودة أن الانتقال المفاجئ والقسري إلى الدفع الإلكتروني في غزة ارتبط بمخاطر عديدة، أبرزها عمليات الاحتيال المالي وسرقة الحسابات وانتحال الشخصية.
وأوضح أن المحتالين استفادوا من أزمة نقص النقد، واضطرار المواطنين إلى استخدام التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية، إلى جانب محدودية الخبرة والثقافة المالية الرقمية لدى شريحة من المستخدمين، ما عرض مواطنين لخسارة أموال من حساباتهم ومحافظهم الإلكترونية.
وجاء ذلك في وقت يعيش فيه سكان القطاع ظروفًا اقتصادية وإنسانية شديدة الصعوبة، ما جعل خسارة أي جزء من المدخرات أو الأموال المتاحة عبئًا إضافيًا على الأسر.
وبين عودة أن البنية التحتية للدفع الإلكتروني في غزة لم تكن مستكملة عند بداية الأزمة، لافتًا إلى إطلاق سلطة النقد نظام المدفوعات والحوالات الفوري بين البنوك وشركات خدمات الدفع "إيبراق" (IBURAQ) في أيار/مايو 2024، بوصفه خطوة عاجلة للتخفيف من وطأة أزمة السيولة النقدية في القطاع.
ويعتبر أن تطوير وسائل الدفع الإلكتروني يمكن أن يسهم في استمرار النشاط الاقتصادي خلال أوقات الأزمات، لكنه لا يلغي الحاجة إلى النقد، خصوصًا في اقتصاد يعتمد جزء كبير من معاملاته اليومية على السيولة النقدية.
وعن تراكم فائض الشيكل في قنوات الاقتصاد والبنوك بالضفة، يقول عودة إن ذلك ترتب عليه في بعض الحالات رفض البنوك استقبال الإيداعات النقدية بالشيكل من المواطنين، الأمر الذي دفع الجمهور والمؤسسات والشركات إلى تقليل استخدام النقد والتوجه نحو وسائل الدفع الإلكتروني، في محاولة للتعامل مع مشكلة فائض الشيكل.
ويؤكد أن المواطن في الضفة يجد نفسه أمام مفارقة صعبة؛ فهو يمتلك أموالًا نقدية، لكنه قد يواجه صعوبة في إيداعها داخل النظام المصرفي، الأمر الذي يؤثر على الادخار وإدارة الأموال.
ويؤكد عودة أن الانتقال نحو الدفع الإلكتروني في الضفة الغربية لم يكن بالحدة والفجائية نفسها التي حدثت في قطاع غزة، إذ رافقته إجراءات من سلطة النقد لتقليل الاعتماد على النقد وتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني.
وتوج هذا المسار، بحسب عودة، بإصدار قرار بقانون رقم (4) لسنة 2026 بشأن خفض استخدام النقد، لكنه يشدد على أن خفض استخدام النقد لا ينبغي أن يعني إلغاء دوره، وإنما إعادة تحديد موقعه داخل منظومة دفع أكثر تنوعًا ومرونة.
ويرى أن تجربة غزة أظهرت أن اختفاء النقد لا يعني انتهاء الحاجة إليه، كما أظهرت أزمة الضفة أن تراكم الكاش يمكن أن يتحول إلى مشكلة اقتصادية ومصرفية.
ويطرح عودة سؤالًا أوسع يتعلق بقدرة الاقتصاد الفلسطيني على الاستمرار في إدارة السيولة بعملة لا يملك قرار إصدارها أو التحكم في تدفقها.
ويرى أن هذا الواقع يفتح الباب أمام نقاش حول البدائل الممكنة للنظام النقدي الفلسطيني، سواء كانت ترتيبات نقدية مؤقتة أو هجينة، وصولًا إلى بحث إمكانية إصدار عملة فلسطينية مستقبلًا والانتقال إلى نظام نقدي أكثر استقرارًا وأمانًا، وأكثر قدرة على التحكم في السيولة من قبل سلطة النقد.
ويؤكد أن النظام النقدي الفلسطيني، القائم أساسًا على استخدام الشيكل وفقًا لبروتوكول باريس الاقتصادي، إلى جانب حرية استخدام عملات أخرى، جعل الشيكل عملة التداول الرئيسية في الاقتصاد الفلسطيني، وهو ما يتطلب وجود آليات مؤسسية مستدامة ومنتظمة لضخ السيولة عند الحاجة وترحيل فائض النقد عندما يتجاوز الحدود التشغيلية للمصارف.
ويشير إلى أن عدم انتظام هذه الآليات أدى على مدار السنوات الماضية إلى اختناقات وأزمات سيولة متكررة، ازدادت حدتها بعد الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأصبحت تهدد النشاط الاقتصادي والمعاملات اليومية للمواطنين، وليس القطاع المصرفي وحده.