قائمة الموقع

لم تهب الطائرات والقوة الخاصة.. انتقام امرأة قلب موازين اللحظة الأخيرة

2026-09-04T10:07:00+03:00
الشهيدة سماح الخالدي
فلسطين أون لاين

يرفع الشهداء أصبع السبابة للشهادة في شهقاتهم الأخيرة كعلامة على حسن خاتمة، لكن سماح العرابيد "الخالدي" والتي تكنى "أم محمد" رحلت بعلامتين، وهي تضع السبابة على زناد البندقية، لترحل مشتبكةً. لم تأبه بالطائرات التي كانت تطلق النيران تجاهها من الجو، ولا من النيران التي أطلقتها القوة الإسرائيلية الخاصة نحوها، ظلت ثابتةً وحدها وسط حمم نار وقصف جنوني.

لحظة إصابة نجلها بعد قصفه لم تفكر كثيرًا ولم تجلس تبكي بين ابن وزوج مصابين على بعد أمتار منها، ولم تفر من المكان بحكم أنها امرأة وأن الموقف أكبر من أن تقف في وجه قوة تغطي السماء من الطائرات التي تستهدف كل متحرك وقوة خاصة على الأرض، بل أشعلت نار انتقام تجاوزت فيه كل المخاوف والحسابات.

امتشقت الأم سلاح نجلها واحتمت خلف جذع الشجرة وبدأت بالاشتباك ورمي الرصاص تجاه سائق الحافلة وبابها الخلفي تحاول منع القوة الخاصة من الوصول لزوجها المصاب بكل قوة وشجاعة وبسالة، حتى كانت القوة على وشك الفرار من رصاصتها ومغادرة المكان لولا تدخل الطيران الذي قصفها مما سمح للقوة الخاصة باختطاف زوجها المصاب بعدة رصاصات في قدمه.

في يوم الثلاثاء الماضي، كانت الخالدي وهي زوجة الضابط في جهاز الأمن الداخلي معين العرابيد، تستعد لفرحة وإعلان إشهار ابنها الثالث الذي كان مقررًا أول أمس الأربعاء، لينقلب الحال وتتغير الترتيبات، من فرح إلى شهادة دخلت فيه التاريخ من أوسع أبوابه.

 لتكتب قصة وفاءٍ وحبٍ لزوجها امتد لسنوات طويلة لم تتركه بالبدايات وعاشت معه قسوة الحرب والقلق والخوف، ولم تتركه في نهاية الطريق، فدافعت عنه بشجاعة أسطورية، وهذا بخلاف صفاتها المعروفة بين إخوتها بأنها "رقيقة القلب وحنونة بشكل غير عادي" لكن الموقف حتم عليها أن ترتدي صفات الأسود التي تقاتل دون أن تخشى قوة عدوها.

في بيت عزاء العائلة بشارع الجلاء بمدينة غزة، يجلس شقيقها الأوسط محمد الخالدي يستقبل المعزين، كان يفترض أن يجلس في هذا الوقت واليوم في قاعة فرحٍ لاستقبال المهنئين بإعلان إشهار قران ابنها "عبيدة" الذي أصيب خلال الهجوم وفقد إحدى عينيه.

تباغت الدموع شقيقها في بداية حديثه لصحيفة "فلسطين" فيما كان يحاول التماسك أمام قسوة الفقد قائلا: "لم تكن شقيقتي سماح أختا فقط بل كانت بمرتبة أم بكل معنى الكلمة، كنت أعتبرها أمي الثانية، ومهما تحدثنا عنها فلن نوفيها حقها".

يتأمل في المعزين بينما يستحضر الترتيبات المفترضة بقلب مكسور بجمرات الفقد: "يفترض أن اليوم الإشهار وعقد القران، كانت فرحة بشكل كبير بعقد قران ابنها الثالث، بعدما زوجت ابنها البكر محمد قبل أربع سنوات، وابنها الثاني الذي تزوج قبل أربعة أشهر، لكن كل شيءٍ تبدل وكأنها كانت تدعونا دون أن ندري لمراسم وداعها. كانت الظروف الأمنية تحجم ترتيبات إشهار القران، فاتصلت علينا وأصرت على حضورنا وكانت تتأمل أن تتم الأمور على خير".

تفاصيل الاشتباك

يوم حادثة التسلل الذي دوى فيه خبر تسلل قوة خاصة غرب مدينة غزة الثلاثاء الماضي الساعة العاشرة والنصف، تابع الخالدي الحدث من زاوية أخرى عندما جرى تداول اسم الضابط معين العرابيد زوج شقيقته، فيقول: "هو بالعادة لا يتواجد مع أبنائه وزوجته، ربما جاء لزيارتهم ليوم واحد للاطمئنان عليهم، لكني تفاجأت باتصال من أحد الأقارب يخبرني باستشهاد شقيقتي وأسره من جيش الاحتلال فكانت صدمة كبيرة".

يكشف الخالدي ما لم تسجله كاميرا الفيديو المتداول على الانترنت لحظة زحف العرابيد مصابا باتجاه جذع شجرة محاولا التواري عن الطائرات قبل أن تصله حافلة القوة الخاصة، قائلا: "لو جرى تكبير الصورة في الفيديو هناك فتحة بين غصنين، تظهر فيها شقيقتي أم محمد ترتدي إسدال الصلاة وتمسك بسلاح كلاشينكوف، وتطلق النار تجاه الحافلة وتدافع عن زوجها بعدما حملت السلاح بعد قصف طائرات الاحتلال لنجلها أثناء اشتباكه مع القوة، أصيب نجلها بثلاث طلقات في صدره ثم جرى قصفه، في لحظة اعتقدت القوة الخاصة أن المهمة انتهت هنا لتباغتهم شقيقتي وتشتبك معهم".

وأضاف أن "إطلاق الرصاص الذي أظهره الفيديو لم يكن باتجاه أبو محمد، بل كان باتجاه شقيقتي. لم تكن مهمة القوة الخاصة سهلة، فكل أفراد العائلة اشتبكوا معهم وحدث تبادل لإطلاق النار، ما أدى لتدخل الطيران الإسرائيلي والذي قصف اثنين من أبناء شقيقتي أحدهم فقد عينه والآخر في العناية المكثفة، وأختي استشهد وحتى زوجها اشتبك وربما أصاب بعض عناصر القوة".

وتابع: "عندما ابتعد أبو محمد ومرافقه وابنه عن البيت بنحو ثلاثين مترًا، بدأ الهجوم وفشلت القوة الخاصة باعتقاله هنا، بعد تبادل إطلاق النار مع الحارس ونجله، ثم أصيب أثناء محاولته العودة للمنزل وزوحف باتجاه الشجرة كما ظهر بالفيديو المتداول، وكان نجله  يدافع عنه ويشتبك مع الجنود قبل أن يقصف لتحمل أمه السلاح لتدافع عنه ثم قصفت وكان الهدف من إصابته إبقائه على قيد الحياة".

دفاع أسطوري

عن صفاتها، يملأ الفخر قلبه ونبرة صوته: "هي حنونة جدا وقلبها رقيق وهي أم للجميع، كانت تحب زوجها كثيرا ولم أرَ زوجة تخاف على زوجها وتحبه بمقدار ما رأيت من شقيقتي، فكان زوجها رجل بمعنى الكلمة، وعندما رأت زوجها ونجلها مصابين والحرة لا تقبل إلا أن تدافع عنهما. كنا نراها على فترات متباعدة خلال الحرب بحكم وضعها، وهي كريمة وحافظة لأجزاء من القرآن الكريم وكان القرآن نهجا في حياتها".

قبل الحرب بشهرين جمعت رحلة سفر الخالدي بشقيقته الشهيدة، يستذكر فيما داهمته دموع حزن على رحيلها: "سافرت معها إلى تركيا ورأينا جمال تركيا، وكنت أرى الطاقة الإيجابية وملامحها التي تشع سعادة وفرحًا". وفي الحرب عاشت في معاناة كبيرة اطلع شقيقها على بعض تفاصيلها، فيروي: "عانت من القلق والتفكير في زوجها، واعتقد أن الله اصطفاها حتى لا يحترق قلبها عليه، فلو لم تستشهد ورات زوجها يعتقل كان يمكن أن يصيبها حالة من القهر الشديد كونها متعلقة به بشكل كبير".

في بيت العزاء، لم تتأخر شقيقتها سحر الخالدي عن تلبية دعوة شقيقتها الشهيدة عندما اتصلت بها قبل أيام لتدعوها لمشاركتها فرحة إشهار نجلها الثالث، لكنها لم تكن تدرك أنها ستجلس في عزاء وليس في قاعة فرح، وأن يحضر المدعوون ويرحل صاحب الدعوة.

حالت الدموع التي كانت تكوي قلب شقيقتها من قدرتها على الحديث، كانت الخالدي تحاول استجماع قوتها والتماسك أمام فقد ثقيل على قلبها، نظرا لمكانة الشهيدة في قلوب أخوتها الذين يعتبروها "أما ثانية"، فتستحضر شقيقتها في حديثها لصحيفة "فلسطين" آخر اللحظات وترتيبات فرحة إشهار القران: "كانت سعيدة وأعدت ترتيبات لذلك، وعزمت الأهل والأحباب".

لم تكن الشهيدة حنونة على أفراد العائلة فحسب بل على الجميع: "سيرتها طيبة، أبنائي يحبونها كثيرا، كانت كريمة ومعطاءة ولم تؤذِ شخصا قط وكانت تسامح وتعفو حتى عن من يؤذيها. عاشت في معاناة وتحملت كثيرا خلال السنوات الثلاث الماضية فتحملت الخوف والقلق ونزحت لجنوب القطاع، ولم تستطع وداع أمي التي كانت بشمال القطاع، أذكر لحظة عودتها لغزة وكمية الشوق التي كانت تحملها لنا".

اخبار ذات صلة