في مشهد تختلط فيه دموع الفقد بوجع الانتظار، ودّعت عائلة الشهيد محمد القاضي جثمانه في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس، بعد أن ارتقى متأثرًا بإصابته من جراء استهداف إسرائيلي طال خيمة عائلته في منطقة أصداء بمواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، في حين أصيبت ابنته بيان، البالغة من العمر 17 عامًا، بجروح خطيرة، وما تزال ترقد في العناية المركزة بين الحياة والموت.
كان المشهد ثقيلاً على أفراد عائلته، ولا سيما نجله محمود، البالغ من العمر 13 عامًا، الذي وقف باكيًا أمام جثمان والده، مستعيدًا صورة الأب الذي كان بالنسبة إليه أكثر من مجرد ربّ للأسرة.
يقول محمود لصحيفة "فلسطين" إن والده كان «نعم الأب الحنون»، وكان يحاول رغم الحرب والحصار والظروف القاسية أن يوفر لأبنائه كل ما يحتاجون إليه، لكن رحيله المفاجئ تركه إلى جانب ثلاث شقيقات، فيما ترقد شقيقته بيان في العناية المكثفة، في انتظار خبر يطمئن قلوب العائلة المثقلة بالفقد والخوف.
وبجوار رأس محمد، جلست والدته المسنّة عائشة القاضي، البالغة من العمر 63 عامًا، عاجزة عن الكلام من شدة الصدمة، لم تستطع أن تروي شيئًا عن ابنها، واكتفت بمسح وجهه بيد مرتجفة، وإطلاق نظرات طويلة إليه، وكأنها تحاول أن تحفظ ملامحه الأخيرة قبل أن يغادرها إلى الأبد.
أما شقيقته ميرفت محمود مرشد القاضي، فتروي أن محمد كان عند أهله يتناول الغداء، ثم غادر متوجهًا إلى خيمته القريبة، وبعد دقائق قليلة، وبينما كان على باب الخيمة، أصابه صاروخ إسرائيلي، لتصاب ابنته بيان أيضًا.
تقول ميرفت إن كل ما حدث لم يستغرق سوى نحو خمس دقائق، لكنه كان كافيًا لتغيير حياة الأسرة بأكملها، وتضيف أن محمد كان «الأخ الحنون، والأب والسند»، وأن محبته لم تقتصر على أسرته، بل امتدت إلى عماته وخالاته وجيرانه وكل من عرفه.
وتشير عمته مالكة القاضي إلى أن محمد أصيب قبل دخوله خيمته، وبقي ينزف نحو نصف ساعة حتى وصلت سيارة الإسعاف، حيث نُقل إلى المستشفى وهو لا يزال حيًا، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بإصابته.
وتصف مالكة ابن شقيقها بأنه كان رجلًا وسندًا لأسرته ومجتمعه، وتقول إن رحيله ترك فراغًا كبيرًا في حياة والدته وأخواته وزوجته وأبنائه، مشيرة إلى أنه كان معروفًا بالصبر والثبات، وأن عائلته كانت تفتخر به.
وتؤكد أن منطقة أصداء، حيث وقع الاستهداف، كانت تُعد منطقة آمنة بالنسبة للنازحين، ما يزيد من قسوة المشهد على العائلة التي كانت تحاول الاحتماء بخيمتها في ظل الحرب والنزوح.
وبينما كانت الأسرة تودّع محمد، بقيت عيونها معلقة بابنته بيان، التي ترقد في العناية المركزة، أبٌ غاب تحت القصف، وابنة تصارع الموت في المستشفى، وثلاثة أبناء وجدوا أنفسهم فجأة أمام حياة جديدة بلا أب.
وفي لحظة الوداع الأخيرة، لم تكن دموع محمود وحدها التي تتحدث؛ فوجه الأم الصامت، وارتجاف يدها وهي تمسح على وجه ابنها، كانا كافيين لاختصار مأساة عائلة فقدت سندها في لحظة، بينما لا يزال جزء من قلبها معلقًا بسرير حفيدتها المصابة، منتظرة أن تفتح عينيها وتعود للحياة.