على مدار عدة دقائق كانت الأنظار داخل مدينة غزة تتجه نحو أصوات القصف العنيفة القادمة من غرب المدينة، في حين كانت صفية حمودة (31 سنة) وأطفالها الثلاثة وبقية النازحين بالمكان يعيشون في قلب مكان حولته طائرات الاحتلال لـ "أرض محروقة" وشنت عليه نحو 17 غارة، إضافة لإطلاق النار المتواصل من مسيّرات "كواد كابتر". لم تحتمِ إلا بقطعة قماش تمزقت من الرصاص واحترقت من لهب الصاروخ وشظاياه.
بداخل مبنى مبيت الجراحة بمستشفى الشفاء بمدينة غزة، ترقد صفية مصابة بحروق من الدرجة الثانية في ذراعيها وقدميها وحروق أقل درجة في وجهها بعدما تصدت بيديها للهب الناجم عن قصف الاحتلال لسيارة مدنية أمام خيمتها، أدى لاشتعال حريق بالخيمة أيضًا، وخيمة الجيران على الناحية الثانية من الشارع. وتطايرت الشظايا في كل مكان قرابة الساعة العاشرة والنصف صباح أول أمس الثلاثاء، عقب تسلل قوة خاصة تابعة للاحتلال لاختطاف قيادي أمني قرب ساحة "الكتيبة" غرب مدينة غزة ارتكبت خلالها جرائم دامية في أثناء تدخل الطيران الحربي لتوفير ممر لخروج القوة بعد انكشاف أمرها.
جالونات مياه
بمجرد أن أنزلت يديها بدأت تشعر بألم الحريق والنار التي تشتعل حولها، وقد رأت طفلها عبد الله (15 سنة) الذي كان يحمل جالوني مياه ملأهما من شاحنة مياه اصطفت أمام الخيام قبل الحدث. وكان الصغار والكبار يتناقلون الجالونات من الشاحنة إلى الخيام. وقد سهل وجود الشاحنة عملية إطفاء الحريق بسرعة قبل تمدد النيران.
قبل سقوط الصاروخ الثاني نقل الجيران صفية بسيارة إلى المستشفى الأمريكي الذي يقع على مقربة من مكان الحدث، وفي أثناء مرور السيارة سقط الصاروخ الثاني بالقرب من السيارة ونجت هي ومن بداخلها بأعجوبة.
أما طفلها الآخر يزن (11 سنة) فكان يحمل جالون مياه فارغا، ووصل لخيمة عمته أسماء التي وقفت مصدومة وهي ترى الدماء تملأ ملابسه بعد إصابته برصاصة من مسيّرة "كواد كابتر" في صدره.
بصوت متعب وحروق تملأ وجهها وذراعيها الملفوفتين بالشاش الطبي، وجراح قلبٍ لا تلتئم، تتحرك تفاصيل الحدث أمام صفية وهي تروي لصحيفة "فلسطين" كما تسري قطرات دموعها بين تعرجات سببتها الحروق لتبقى شاهدة على بشاعة الجريمة: "كنت بالخيمة وأقوم مع أبنائي بغسل سجادتين. انتهينا من السجادة الأولى قبل قدوم شاحنة المياه، وعندما جاءت ذهب أولادي لتعبئة جالونات المياه لغسل السجادة الثانية، ثم بدأ إطلاق نار من "كواد كابتر" فبدأت بالبحث عن طفلتي ولم أجدها، ثم قصف الاحتلال سيارة مرت من أمام خيمتنا".
بينما لا تستطيع تحريك ذراعها وهي تتمدد على سرير المشفى من أثر الألم فيما قامت إحدى المرافقات بسقيها بالماء، تحرك بقية التفاصيل: "لحظة القصف تطايرت الشظايا واللهب تجاهي فحميت وجهي بذراعي اللتين احترقتا، ثم استدرت للجهة الأخرى فوجدت ابني شهيدا. كان يريد الدخول للخيمة فأصابته الشظية واستشهد على الفور. كنت لا أستطيع التحرك فجاء شبان ونقلوني، ونحن في الطريق كنا سنموت بعد وقوع قصف بجوارنا".
بصوت مختنق بالدموع، تستحضر شكل الحياة في الخيمة قبل بدء الحدث: "كنا سعداء ونحن نغسل السجاد مع الأولاد، وطلب عبد الله ويزن وشقيقتهما
أن يغسلوا السجادة الثانية كي أرتاح".
لم يعد المكان الذي تركته حمودة كمان كان، فقدت هي نجلها عبد الله وأصيب طفلها يزن وأصيبت هي بحروق، واستشهد جارهم داخل خيمته، وملأ الفقد والإصابات الخيام.
تفاصيل دامية
ترافقها شقيقة زوجها أسماء حمودة داخل المشفى، لا يفر مشهد قدوم ابن شقيقها يزن على خيمتها مصابا بصدره من حديثها، وكانت شقيقته جوان (7 سنوات) تجلس بقربها مذعورة من إطلاق مسيّرات الاحتلال الرصاص تجاه الخيام ومن ثم الانفجار وتطاير الشظايا".
تحكي لصحيفة "فلسطين": "بدأت بالصراخ على الناس وطلب المساعدة وفي الدقائق الأولى من الحدث لم يستطع أحد التحرك او إسعاف أحد، فناديت على أخي وأخبرته بإصابة طفله فحمله وركض به تجاه المستشفى الأمريكي، ثم توجهت نحو الخيمة ووجدت ابن اخي عبد الله ممددا على الأرض شهيدا. كان رأسه داخل الخيمة في حين بقية جسده بالخارج أي أنه أصيب في أثناء محاولته الهرب من القصف".
وبالرغم من القصف وإطلاق النار جالت أسماء بين الخيام تبحث عن زوجة شقيقها التي لم تجدها حينها بالخيمة، وكانت قد نقلت للمشفى.
وتلخص حمودة الحدث قائلة: "بدأ الأمر بإطلاق نار كثيف تجاه الخيام، ثم سكت صوت الرصاص ووقع انفجار، فتطاير لهب الانفجار على خيمة أخي ولهب آخر على خيمة الجيران، كان جار أخي ينادي على ابنه حتى يدخل الخيمة لكنه أصيب برقبته بشظية وظل بالعناية المركزة أربع ساعات قبل أن يعلن استشهاده، ورأيت الناس يطفئون الخيام بسيارة المياه التي لولا وجودها لكانت الكارثة أكبر".
وتابعت وهي تستحضر المشهد من الزاوية التي كانت فيها: "وجدت أبي وهو كبير في السن محتميا خلف سيارة المياه، وقُدر له النجاة، وشارك في إطفاء النار".
شيعت العائلة الفتى عبد الله ابن الخامسة عشر ربيعًا، ووارته في الثرى في حين كانت أمه تصارع ألم الحروق، وعندما استيقظت أمه حاولت أسماء وقريباتها المرافقات تأخير الخبر عنها، لكن إلحاح الأم المتواصل وكأنّ شيئا في قلبها كان يخبرها بحدوث أمر ما، جعل العائلة تصارحها بالفاجعة التي استقبلتها بقلب "مكلوم محتسبة أجرها على الله".
لا يزال يزن يرقد بالعناية المكثفة بحالة متوسطة، في حين تعيش جوان مع والدها، بالأمس كانت العائلة كلها تجلس في خيمة، واليوم توزعت بين المقبرة والمشفى والخيمة بعد جريمة إسرائيلية بشعة فرقت العائلة.

