لم يكن مؤيد الطناني، (12 عامًا) يعلم أن خروجه عصر الثلاثاء 25 أغسطس/آب، للعب كرة القدم مع أبناء عمه سيكون بداية لرحلة طويلة مع الألم والخوف والانتظار.
عند السادسة مساءً، كان مؤيد يمارس هوايته المفضلة في الشارع الخلفي لمستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، حيث تقيم عائلته في بيتهم الواقع قرب ما يسمى الخط الأصفر، وكعادته، كان يركض خلف الكرة حتى اقتراب المغرب، قبل أن يجبر الخوف من القصف والرصاص العشوائي أهالي المنطقة على العودة إلى منازلهم.
وفجأة، وقع استهداف إسرائيلي لبيت قريب منهم من دون تحذير سابق، فأصيب مؤيد بشظية في رأسه خلف أذنه اليمنى، لتتوقف المباراة ويبدأ سباق آخر مع العلاج.
تقول والدته صابرين لصحيفة "فلسطين": "الشظية تسببت بكسر في الجمجمة واستقرت في منطقة حساسة تتجمع فيها الشرايين والأوردة، ما جعل حالته بحاجة إلى تدخل طبي دقيق".
وتروي: "حاول الأطباء فقط إيقاف النزيف، ووصل دمه إلى 5، واضطروا إلى إعطائه وحدات دم، الآن ينتظرون أن يبني اللحم على الشظية حتى يقرروا إجراء العملية وتحديد موعدها، خصوصاً أن مكانها يجعل العملية خطيرة".
ولم يُحسم بعد ما إذا كانت العملية ستجرى في أحد مستشفيات غزة أم خارج القطاع، مع نقص الإمكانيات والمعدات الطبية.
وتقول صابرين: "أخاف من أي تطور في حالته، خصوصًا إذا تحركت الشظية ووصلت إلى العمود الفقري، لأن هذا ممكن أن يسبب له شللًا نصفيًا".
كما تخشى أن تؤثر العملية على سمع ابنها أو بصره، لذلك تتمنى أن تتاح له فرصة للعلاج خارج غزة.
"ما تخافي عليا.. أنا عايش"
تتذكر صابرين لحظة إصابة ابنها باعتبارها الأصعب، كان شقيق مؤيد يحمله، بينما كانت إلى جواره تبكي وتضغط على جرح رأسه محاولة وقف النزيف.
وسط الألم والخوف، نظر إليها مؤيد وقال: "ما تخافي عليا، أنا عايش".
تلك الكلمات القصيرة بقيت عالقة في ذاكرة الأم، التي كانت في تلك اللحظة تحاول أن تتمسك بأي أمل في نجاة طفلها.
"ما بعرف شو صار معي"، بعد استيقاظه في المستشفى، بدأ مؤيد يتحدث مع والدته تارة ويصمت تارة أخرى، بينما يلازمه الشرود والتأثر النفسي بما حدث.
وتنقل عنه قوله: "ما بعرف شو صار معي، صرت أزحف على الأرض بعد الإصابة وبفكر حالي بمشي، ما سمعت صوت القصف، لو سمعته كان شردت".
وتضيف والدته: "مش هين عليه حاله، متأثر نفسيًا من اللي صار وبيضل سرحان وشارد، هو طفل محب للعب، وفجأة صار يعيش مع الألم والخوف وينتظر عملية خطيرة".
وكان مؤيد يحب كرة القدم والكرة الطائرة، ويشارك الشباب مبارياتهم، بل ويتولى أحيانًا دور المعلّق الرياضي، مستمتعًا بوصف مجريات اللعب.
لكن الحرب ضيقت مساحة حياته اليومية، خصوصًا أن منزل عائلته يقع قرب الخط الأصفر.
وتكمل صابرين: "حياتنا في المنطقة شبه مشلولة. قبل أذان المغرب لازم نكون في البيت، وبعدها ما في حركة، وما بنقدر نطلع لأي سبب خوفًا من القصف والرصاص العشوائي".
ومنذ إصابته، لا يستطيع مؤيد النوم بسهولة بسبب الألم في رأسه والجهة اليمنى، في حين تنتظر أسرته قرارًا طبيًا بشأن العملية.
وتتابع أمه حديثها: "كل اللي بتمناه إنه ابني يتعالج ويرجع يلعب مثل الأول، ما بدي الشظية تظل تهدد حياته، ولا بدي العملية تؤثر على سمعه أو بصره".
فاليوم بات مؤيد لا يفكر بالمباريات، بل ينتظر عملية دقيقة قد تحدد شكل حياته المقبلة، بينما تتمسك والدته بأمل واحد: أن يحصل طفلها على العلاج الذي يعيده، ولو تدريجيًا إلى حياته التي توقفت عند السادسة من مساء الثلاثاء.

