شهدت أشهر عام 2026 جملةً من التطورات الخطيرة في المسجد الأقصى، ابتداءً من إغلاقه لنحو 40 يومًا، ومنع الفلسطينيين الدخول إليه لأطول فترة منذ احتلاله عام 67، وما تلاها من محاولات أذرع الاحتلال لفتح أبواب الأقصى أمام الاقتحامات في يوم الجمعة، وصولًا إلى الاقتحامات الحاشدة في ذكرى "خراب المعبد"، وما جرى خلالها من تطورات بالغة الخطورة شملت السماح بإدخال أوراق الصلاة، ومن ثم كتب السيدور، وإجراء مناورات أمنية داخل المسجد وأمام أبوابه، وتمديد ساعات اقتحام الأقصى، في مسارٍ متصاعدٍ من العدوان، تسعى خلاله أذرع الاحتلال إلى حسم هوية الأقصى بشكلٍ كامل.
ومع اقتراب موسم الأعياد الطويل، الذي يُشكل أبرز مواسم العدوان على الأقصى، نظرًا لعدد الأعياد الذي يضمه الموسم، وما تقوم به أذرع الاحتلال من تدنيسٍ وعدوان، نسلط الضوء في هذا المقال على هذا الموسم، وأبرز الاعتداءات التي ستجري في الأقصى بالتزامن معها.
الأعياد محطات لفرض السيطرة على القدس
أتاحت كثرة الأعياد اليهوديّة لها أن تتحول بفعل الأمر الواقع، وما تمتلكه سلطات الاحتلال من قدراتٍ وإمكانيات، إلى محطات تسهل على الاحتلال أن يفرض نفسه المتحكم بالقدس بشكلٍ شبه كامل، وخاصة مظاهرها العامة المرتبطة بالاحتفالات الدينية اليهوديّة في كل تفاصيل المدينة، في سياق محاولاتها تغييب الهوية العربيّة والإسلاميّة للمدينة، وتسعى سلطات الاحتلال إلى تحقيق جملةٍ من الأهداف من هذه الإجراءات، نسلط الضوء على أبرزها فيما يأتي.
أول هذه الأهداف، سعي سلطات الاحتلال إلى تحويل القدس المحتلة إلى مساحة جغرافية تعجّ بالمستوطنين، عبر حشد المنظمات المتطرفة لأعدادٍ كبيرة منهم من مختلف المستوطنات المحيطة بالقدس، بهدف ترسيخ هيمنة استيطانية قائمة على التفوق العددي — حتى لو كان ذلك مؤقتًا — بالتزامن مع الأعياد اليهودية.
وقد أشارت مصادر مقدسية إلى أن الاحتلال بات يحوّل هذه الأعياد إلى مواسمٍ لما يُسمّى "الحجّ اليهودي"، في محاولةٍ لتكريس الرواية الدينية الصهيونية على أرض الواقع.
ثانيها، مزاحمة الهوية الأصيلة للقدس المحتلة، من خلال استهداف الهوية البصرية والثقافية للقدس، لا سيما المرتبطة بمظاهرها العامة المرتبطة بالاحتفالات الدينية، مثل عيدَي "العُرش" و"الحانوكاه". ففي عيد الحانوكاه، على سبيل المثال، يعمد المستوطنون إلى إضاءة الشمعدانات في مواقع متعددة، بعضها قريب جدًّا من المسجد الأقصى. وتدعم أذرع الاحتلال التهويديّة، وفي مقدمتها بلديته في القدس، هذا المسعى من خلال إضفاء طابع يهوديّ على المدينة تحت ذريعة الاحتفال، عبر تنظيم عروض ضوئية، وإضاءة سور القدس التاريخي، ومرافقة ذلك بحفلات صاخبة تُغيّر طابع المدينة المقدّس.
ثالثها، يسمح التفوق العددي، وحشد آلاف المستوطنين، وما يرافق هذه الأعياد من دعواتٍ سابقة لاقتحام المسجد الأقصى، بمزيدٍ من التدخل في الأقصى، إذ تتخذ سلطات الاحتلال ذرائع عديدة لتشديد السيطرة على أبواب الأقصى، وفرض مزيدٍ من القيود على دخول المصلين، في سياقٍ يهدف إلى جعل الأعياد اليهودية أداةً رئيسية للهيمنة على المسجد ومحيطه، والسماح للمستوطنين بالبقاء داخل المسجد لأطول فترة ممكنة، بما يتجاوز الإجراءات المعتادة.
رابعها، يواكب هذا التصعيد مساعٍ حثيثة لفرض ما يُمكن تسميته "التأسيس المعنوي للمعبد"، عبر تكثيف أداء الصلوات والطقوس اليهودية المرتبطة بفكرة "المعبد" داخل الأقصى. وتتحول اقتحامات المستوطنين خلال الأعياد اليهودية إلى محاكاةٍ حية للرواية التوراتية المزعومة، حيث يُعيدون تمثيل ما يزعمون أنه كان يجري في "المعبد" من طقوسٍ وحركاتٍ وتراتيل، وصولًا إلى ممارساتٍ رمزية تُحاكي تقديم القرابين.
موسم الأعياد العبرية القادم
مع اقتراب انطلاق موسم الأعياد العبرية، وما تتضمنه من مخاطر واعتداءاتٍ تجاه المسجد الأقصى المبارك، نسلط الضوء في النقاط الآتية، على أبرز محطاته وما يُمكن أن يرافقها من عدوان متصاعد:
• رأس السنة العبرية: بالعبريّة "روش هشَّاناه"، يُحتفَل به لمدة يومين في أوَّل شهر تشري بالتقويم العبري، وسيحل في هذا العام ما بين 12 و13/9/2026، حيث يشهد الأقصى في هذا العيد محاولاتٍ للنفخ ببوق "الشوفار" داخل المسجد وفي محيطه، ويعني هذا الطقس أنه إعلانٌ لهيمنة المستوطنين وسيادتهم على المسجد، في سياق تحقيق السيادة اليهودية وتحويل الأقصى إلى مكان يستوعب عبادة المستوطنين ووجودهم، مع إمكانية تحويل هذا التدنيس إلى طقسٍ جماعي، من خلال النفخ جماعيًا في "الشوفار". إلى جانب اقتحام الأقصى بأعدادٍ كبيرة، وما يُرافق الاقتحامات عادة من أداء للطقوس العلنية، والرقص، والغناء، وغيرها.
• أيام التوبة: وهي الأيام الممتدة ما بين "رأس السنة العبرية" و"الغفران"، وتمتد لـ 10 أيام، ما بين 12 و21/9/2026، وإلى جانب اقتحام الأقصى، يقتحم المستوطنون المسجد وهم يرتدون "ثياب التوبة البيضاء"، إضافةً إلى سعي أذرع الاحتلال تصعيد أعداد المشاركين في اقتحامات الأقصى.
• عيد "الغفران": بالعبريّة يوم "كيبور"، يحلّ في هذا العام في 21/9/2026، وعلى غرار الاعتداءات في رأس السنة العبريّة، يشهد المسجد الأقصى في عيد "الغفران" محاولات النفخ ببوق "الشوفار"، واقتحام الأقصى بالثياب البيضاء، إضافةً إلى محاكاة تقديم القرابين في الأقصى، أو محاولة تقديمها، على غرار ما جرى في أعياد يهودية سابقة، إلى جانب النفخ في بوق "الشوفار" عند غروب الشمس.
• عيد العُرُش (المظال/سوكوت): هو ثالث أعياد الحج عند اليهود، إلى جانب عيدي "الفصح والأسابيع"، يمتدّ ما بين 26/9 و2/10/2026، ويُعدّ واحدًا من أبرز مواسم الاعتداء على الأقصى، فإلى جانب إشراك أكبر عددٍ من المستوطنين في اقتحامات المسجد، يشهد الأقصى تصاعدًا في أداء الطقوس التلموديّة العلنية في ساحاته، وخاصة أداء "السجود الملحمي" الكامل بشكلٍ جماعي، ومحاولات المستوطنين إدخال القرابين النباتية إلى داخل المسجد.
• عيد "بهجة التوراة": وعلى الرغم من كونه عيدًا هامشيًا، إلا أنه يتزامن في التقويم العبري مع انطلاق معركة "طوفان الأقصى"، ويأتي في هذا العام في 3/10/2026، وهو ما يؤشر إلى إمكانية تصاعد العدوان في هذا اليوم في سياق ردة الفعل تجاه المعركة وما جرى بعدها.
ماذا ينتظر الأقصى فيما بقي من أعياد؟
تتوالى الأعياد اليهودية لتشكل محطة فاصلة في محطات العدوان على المسجد، وفي النقاط الآتية أبرز الاعتداءات المتوقعة في هذه الأعياد من قبل أذرع الاحتلال المختلفة:
تشديد إجراءات الاحتلال الأمنية، وفرض إجراءات عمرية وأمنية في الطرق المؤدية إلى المسجد الأقصى، ومحاولة تقليل أعداد المصلين، وإظهار سيادة أمنية على المسجد ومكوناته البشرية.
تشديد القبضة الأمنية على الأوقاف، والسعي إلى تهميشها بشكلٍ أكبر.
منع حراس الأقصى من توثيق الانتهاكات التي تجري في الأقصى.
تنفيذ جملة من الطقوس اليهوديّة بالتزامن مع الاقتحامات، وهي:
o أداء الطقوس التلموديّة العلنية في ساحات المسجد، وخاصة أداء "السجود الملحمي" الكامل بشكلٍ جماعي.
o النفخ بالبوق "الشوفار"، في أقرب نقاط ممكنة من الأقصى وفي داخله.
o محاولة إدخال البوق "الشوفار" إلى الأقصى، إلى جانب أدوات الصلاة الأخرى (الطاليت، والسيدور، والتيفلين)، وخاصة بعد تصريحات بن غفير الأخيرة، التي تؤشر إلى سماحٍ ضمني لأذرع الاحتلال بإدخال هذه الأدوات.
o ارتداء الملابس البيضاء الكهنوتيّة، في إشارة إلى حضور "الكهنة" داخل الأقصى، ودورهم في البناء المعنوي والفعلي "للمعبد".
o محاكاة تقديم القرابين في الأقصى، والسعي إلى إدخالها إلى الأقصى بشكلٍ مباشر.
o رفع علم الاحتلال في ساحات الأقصى.
o محاولة إدخال القرابين النباتية إلى داخل المسجد.
o محاولة إدخال القرابين الحيوانية، وقد شهدت أعياد أخرى، لا ترتبط بقضية القرابين، إدخال قطع لحمٍ تقطر دمًا إلى داخل الأقصى.
مشاركة حاخامات الاحتلال وأعضاء حاليين وسابقين في "الكنيست" الإسرائيلي في اقتحام المسجد.
إدخال زجاجات الخمر إلى الأقصى.
إدخال مظلة مؤقتة إلى ساحات الأقصى الشرقية، على غرار ما جرى في ذكرى "خراب المعبد".