في جريمة غدرٍ جديدةٍ، نفذت قوة خاصة من مليشيات العملاء اعتداءً مسلحًا مدعومًا بالطيران الإسرائيلي المُسيَّر في منطقة أنصار غربي مدينة غزة، أمس، في خطوةٍ رآها مراقبون أنها تعكس حجم اعتماد (إسرائيل) على المليشيات لتنفيذ مهام أمنية معقدة بأوامر مباشرة من ضباط مخابرات الاحتلال "الشاباك".
ويأتي هذا التصعيد في إطار سلسلة اغتيالات نفذها جيش الاحتلال في مناطق متفرقة من قطاع غزة، وطالت عناصر ومسؤولين في الأجهزة الأمنية، بينهم ضباط يعلمون في جهازي الشرطة والأمن الداخلي.
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لجأ الاحتلال إلى الاعتماد على مليشيات العملاء بكثافة لتنفيذ جرائم اغتيال واختطاف طالت رموزًا في فصائل المقاومة والأجهزة الأمنية.
وتتخذ المليشيات من مناطق سيطرة جيش الاحتلال خلف ما يسمى "الخط الأصفر"، مقرًا لها للانطلاق نحو تنفيذ عملياتها بأوامر يتلقونها من ضباط مخابرات الاحتلال. ويصادر "الخط الأصفر" قرابة 70 بالمائة من المساحة الإجمالية لقطاع غزة البالغة 365 كيلومترًا مربعًا.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2025، اغتال مسلحون من مليشيات العملاء المقدم في جهاز الأمن الداخلي أحمد زمزم.
ويرى مراقبون، أن استخدام المليشيات لتنفيذ جرائم الاغتيال والاختطاف في غزة، يشكل انتهاكًا فادحًا لاتفاق وقف إطلاق النار المثقل بالخروقات الإسرائيلية، والتي أودت بحياة أكثر من 1320 شهيدًا وإصابة ما يزيد عن 4385 آخرين، وفق معطيات رسمية صدرت حديثًا.
سياسة تفكيك الأمن
ويؤكد الباحث في الشأن العسكري والأمني رامي أبو زبيدة، أن استهداف الاحتلال المتكرر للأجهزة الأمنية في غزة، يأتي ضمن سياسة مدروسة لا يمكن فصلها عن عقيدته الأمنية القائمة على تفكيك منظومات الضبط الداخلي، وإنتاج بيئة فوضى أمنية محسوبة العواقب.
وأضاف أبو زبيدة في تصريح لصحيفة "فلسطين"، أن الاحتلال يدرك أن ضرب الاستقرار الداخلي لا يحقق مكاسب آنية فحسب، بل يراكم نتائج استراتيجية متعددة: إرباك المجتمع، تحميل المقاومة مسؤولية أي انفلات أمني، وتوفير ذرائع إضافية لتوسيع التدخل العسكري لاحقًا تحت عناوين الأمن ومكافحة الفوضى.
وفي ضوء ذلك، وفق أبو زبيدة، يبرز الدور الخياني الذي تلعبه المليشيات العميلة كأداة تنفيذية مباشرة لمخططات الاحتلال.
وتابع أبو زبيدة: "هذه المجموعات لا تعمل بمعزل عن توجيه استخباري، بل تُستخدم في جمع المعلومات، وتنفيذ عمليات اغتيال، والعبث بالجبهة الداخلية، بما يحقق للاحتلال ما لا يستطيع إنجازه علنًا.
وأشار إلى أن ضباط مخابرات الاحتلال يزودون العملاء بوسائل تنفيذ الاغتيالات والاختطاف، إلى جانب معلومات تتعلق بمسار تحرك الهدف، دون أن تزج بقواتها الإسرائيلية في عمق المناطق السكنية بغزة.
تفادي الخسائر
وفي قراءته للدلالات الأمنية والسياسية للجريمة التي وقعت، أمس، نبَّه أبو زبيدة إلى أنها تجدد التأكيد على اعتماد الاحتلال الوكلاء -المليشيات- لتقليل كلفة المواجهة المباشرة بعد انتقاء الاستهداف بما يطال العقول والملفات الأمنية الحساسة.
كما أشار إلى أن التوظيف الإعلامي للجريمة، يهدف بالأساس إلى بث الخوف وزعزعة الثقة بالمؤسسات، والرهان على التفكك الداخلي كمدخل لإضعاف المقاومة.
ورأى الباحث في الشأن العسكري والأمني، أن استهداف الأجهزة الأمنية في غزة ليس حدثًا معزولًا، بل جزءًا من استراتيجية احتلالية شاملة لإعادة تشكيل البيئة الداخلية عبر الفوضى المضبوطة والوكلاء المحليين.
وأكد أن مواجهة هذه السياسة تتطلب وعيًا مجتمعيًا، وتماسكًا داخليًا، وتعزيزًا لأدوات الحماية الأمنية، بما يُفشل رهان الاحتلال على التفكك، ويُبقي الجبهة الداخلية عصيّة على الاختراق.
كما أشار أبو زبيدة إلى أن الاستهداف لم يعد محصورًا في البنى العسكرية التقليدية، بل صار يشمل بشكل واضح منظومة الأمن الداخلي ذاتها، بهدف تعطيلها وإضعاف أدوات الضبط، وفتح المجال أمام اختراقات أمنية تُستثمر لاحقًا سياسيًا وإعلاميًا.
وعدَّ أن هذا النمط من الاستهداف يعكس انتقال الاحتلال من المواجهة المباشرة إلى إدارة الفوضى كأداة حرب.
محكوم عليها بالفشل
بدوره، رأى المحلل السياسي عمر جعارة، أن اعتماد الاحتلال على الميليشيات لتنفيذ عمليات أمنية، يعكس سعيه للحصول على معلومات ميدانية، رغم ادعائه تحقيق إنجازات عسكرية كبيرة إبّان حرب الإبادة التي اندلعت في أكتوبر 2023، ولم تنتهِ بموجب اتفاق وقف النار.
وأوضح جعارة لصحيفة "فلسطين" أن استهداف الاحتلال رجال الشرطة والأمن يؤكد إصراره على رفض وجود أي بنية أمنية أو إدارية فلسطينية قادرة على إدارة شؤون القطاع.
وأضاف، أن الاحتلال يكرر عبر مليشيات العملاء بغزة تجربة "جيش لبنان الجنوبي (مليشيا لحد)"، الذي أنشأته (إسرائيل) ودعمته لعقود، قبل أن ينهار ويترك عناصره لمصيرهم.
وتساءل جعارة قائلاً: لماذا تكرر (إسرائيل) أخطاء فشلت فيها دول أقوى منها؟، مؤكدًا أن تجارب تاريخية سابقة أثبتت أن القوى التي تُبنى لخدمة الاحتلال أو الاستعمار لا يمكن لها كسب شرعية شعبية حقيقية.
وأكد أن هدف الاحتلال من هذه السياسات لا يقتصر على جمع المعلومات، وإنما يتصل أيضًا بمحاولة تفتيت وحدة المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدرته على إدارة شؤونه، مشددًا على أن هذه المليشيات تفتقر إلى القبول الشعبي أو الشرعية.