لم يكن صباح غزة هادئًا كما يبدو، ففي غرب المدينة، حيث تختلط أصوات النازحين بحركة الشوارع، كانت هناك أعين يقظة تراقب التفاصيل، يكفي أن تتحرك مركبة في المكان الخطأ، أو تمر دراجة نارية في توقيت مريب، حتى تلتقطها أعين تعلّمت خلال سنوات الحرب أن التفاصيل الصغيرة قد تكون بداية الحكاية.
كان صباح الثلاثاء يمضي تحت وطأة الحرب، مثل بقية أيام غزة، حين حاولت قوة إسرائيلية خاصة، متخفية داخل حافلة بضائع وبرفقة دراجات نارية، التسلل إلى محيط منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، في محاولة لتنفيذ عملية اختطاف.
لكن القوة لم تكن وحدها في المكان، وسرعان ما انكشف أمرها،
في لحظة تبدلت الأدوار؛ فلم تعد القوة الخاصة تطارد هدفها، بل أصبحت هي الهدف، ووجد أفرادها أنفسهم في مواجهة مباشرة مع عناصر الأمن والمقاومة، وسط اشتباك ضارٍ من مسافة صفر.
صفر متر.. هناك، حيث لا تنفع كثيرًا حسابات المخابرات ولا خرائط العمليات، وحيث يصبح القرار أسرع من الرصاصة، وجد أفراد القوة الخاصة، المعززة بمليشيا من العملاء، أنفسهم أمام مقاومة لم تكن في حساباتهم.
لم تعد العملية خاطفة كما خُطط لها، وتحولت القوة المتسللة إلى مجموعة تبحث عن مخرج، بينما كانت أصوات الرصاص تحاصرها من كل اتجاه.
ثم جاءت الطائرات، فهزت الغارات محيط الكتيبة وشارع أنصار، حين أدرك الاحتلال أن أفراده باتوا في مأزق، فشن أكثر من سبع عشرة غارة لتوفير غطاء ناري يسمح لهم بالانسحاب.
لكن القصف لم يكن وحده في المشهد، خلف خطوط النار، كان آلاف النازحين والمدنيين يحاولون الاحتماء، في حين بقي عناصر الأمن في مواقعهم، مدركين أن مهمتهم لا تقتصر على التصدي للقوة المتسللة، بل تشمل حماية الناس وملاحقة العملاء الذين كانوا يرصدون المكان.
كان أحد أفراد الأمن القريبين من مسرح الأحداث يقول: "نعرف أن البقاء في الموقع يعني المخاطرة، لكننا نعرف أيضًا أن مغادرة الشوارع تعني ترك المدنيين وحدهم أمام الخوف والفوضى".
لذلك تمترس مع زملائه، يراقب المشهد ويؤدي واجبه حتى في أشد اللحظات قسوة.
ومع انحسار الاشتباك، بدأت نهاية العملية تتكشف، انسحبت القوة الخاصة تحت الغطاء الجوي الكثيف، لكنها لم تغادر كما دخلت؛ فقد تركت خلفها أسلحة ومعدات وعتادًا، فضلًا عن وقوع إصابات في أفرادها، وفق ما أعلنته الجهات الأمنية وما نقله شهود عيان.
وهنا تكمن المفارقة: دخلت القوة إلى غرب غزة وهي تراهن على التخفي والمفاجأة، لكنها خرجت بعدما انكشف أمرها وفقدت المبادرة، تاركة خلفها جزءًا من عتادها.
لم تكن الحكاية مجرد اشتباك وانسحاب، بل كانت مشهدًا آخر من حرب طويلة؛ قوة مدججة بالسلاح تدخل متخفية إلى مدينة أنهكتها الحرب، ثم تجد نفسها مضطرة إلى الاستنجاد بالطائرات للخروج منها.
لم تصل القوة إلى هدفها، ولم تعد بكل ما حملته معها، بقي العتاد على الأرض، وبقيت الحكاية في ذاكرة المكان، فقد دخلوا وهم يظنون أنهم يعرفون الطريق، فخرجوا وهم يبحثون عن طريق للنجاة.
ففي غزة، حيث يولد العظماء، لا تموت الحكايات؛ يموت أصحابها، وتبقى سيرتهم شاهدة على أرض لم تتعلم يومًا كيف تنحني.