لم تكن لحظة وصول 13 أسيرًا محررًا إلى مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مجرد محطة في طريق العودة، بل كانت مشهدًا تختلط فيه فرحة الحرية بوجع الأسر، وتتعانق فيه دموع الأهالي مع أجساد أنهكها التعذيب والجوع والإذلال.
وصل المحررون إلى المجمع الطبي وسط استقبال حاشد من ذويهم وأهاليهم، في حين بدت على بعضهم علامات الإنهاك الشديد والشحوب، وتحدث آخرون بصعوبة عن أيام قاسية عاشوها خلف القضبان، بعدما انتزعتهم قوات الاحتلال ومليشياته العميلة من أماكن عملهم أو في أثناء تنقلهم، واقتادتهم إلى السجون في ظروف وصفوها بأنها مليئة بالعذاب والإهانة.
كان المحرر أحمد سجيع العشرة، يحمل على جسده آثار الأيام التي قضاها مقيدًا، وهو يشير إلى موضع القيود التي تركت أثرًا واضحًا عليه، ويقول إن النوم داخل السجن كان يتم على الحديد، وإنه أمضى فترات طويلة مكبل اليدين، في ظروف وصفها بأنها قاسية ومهينة.
ويروي أحمد أن الاحتلال اعتقله بعدما خرج بحثًا عن الحطب والبلاستيك في منزله المدمر قرب صالة السعادة في خانيونس، ليستخدمها في إشعال النار والطهي، مؤكدًا أنه لم يكن يفعل شيئًا سوى محاولة تأمين وسيلة للبقاء على قيد الحياة.
وبصوت تختلط فيه المرارة بفرحة الخروج، وجه المحرر صرخة إلى العالم لإنقاذ الأسرى الذين ما زالوا داخل السجون، مرددًا: “أنقذوا الأسرى.. الخطية في رقابكم”، قبل أن يصف شعوره بعد الإفراج عنه بأنه يعيش في “جنة”، مقارنة بما عاشه خلال فترة الاعتقال.
وبعد نحو 30 يومًا من الغياب، لم يكن أحمد يريد شيئًا أكثر من العودة إلى أسرته، وقال إن أول ما يتمناه هو رؤية أمه وزوجته وأطفاله وأهله وأصدقائه، قبل أن يضيف أمنية اختصر فيها معنى الحرية بالنسبة له: أن يأخذ قدمي أمه ويضعهما فوق رأسه، لأن رضا الأم بالنسبة له أعظم ما يمكن أن يحصل عليه بعد الخروج من السجن.
ولا تختلف رواية المحرر علي أبو حماد كثيرًا عن تلك التي حملها أحمد، وصل علي إلى مجمع ناصر الطبي منهكًا، شاحب الوجه، ويتحدث بصعوبة، بعد 35 يومًا قضاها في الأسر.
يقول علي إنه كان يعمل آذنًا في مدرسة تابعة لليونيسف، عندما اقتحمت المليشيات العميلة المدرسة والمنطقة المحيطة بها، واقتادته ومن كانوا معه إلى مكان احتجاز، قبل أن يتم تسليمهم إلى جيش الاحتلال.
وعندما سُئل عن ظروف احتجازه، لم يجد الكثير من الكلمات لوصف ما مر به، واختصر التجربة بعبارة موجعة: “عذاب كلها.. كلها عذاب”، مؤكدًا أن حياته خلال فترة الأسر كانت تعذيبًا متواصلًا، ثم وجه رسالة مختصرة إلى العالم: “إحنا مظلومين.. إحنا بس شعب مظلوم".
أما المحرر رامي يوسف عفانة، البالغ 35 عامًا، فكان ينتظر بدوره أمام مجمع ناصر الطبي لحظة لقاء صهره علي أبو حماد، بعدما سبقه إلى تجربة الأسر نفسها.
يقول رامي إنه أمضى نحو سبعة أشهر في سجون الاحتلال، واصفًا تلك الفترة بالصعبة، في ظل ما قال إنه عذاب وتحقيق وقلة في الطعام والشراب.
وبينما كان ينتظر خروج صهره، حمل رامي رسالة تتجاوز قصته الشخصية إلى العالم، مطالبًا بأن يعيش الشعب الفلسطيني كما تعيش بقية الشعوب، بحرية وكرامة، بعيدًا عن الحصار والقتل والاعتقال.
أثناء انتظار وصول الأسرى لمجمع ناصر الطبي، كانت شيرين دهليز تنتظر عودة زوجها سعيد محمود دهليز برفقة أفراد من العائلة.
كانت تحاول استيعاب خبر الإفراج عن زوجها، الذي اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي قبل 29 يومًا في أثناء عمله سائقا لإحدى الشاحنات في منطقة حاجز كرم أبو سالم.
تقول شيرين إن زوجها يعمل سائق شاحنة، ويعتمد على عمله في تأمين قوت أطفاله، وإنها لم تكن تريد أكثر من أن تراه يعود سالمًا إلى عائلته.
وبين كلماتها، كانت تتكرر عبارات الحمد والدعاء بأن تكتمل فرحة العائلات بالإفراج عن جميع الأسرى.
لكن فرحة التحرير لم تكن مكتملة لدى الجميع، ففي المكان ذاته، كان محمد سامي قديح يبحث بين وجوه الأسرى المحررين عن شقيقه الذي لم يعد.
يقول محمد إنه كلما سمع بوصول أسرى إلى المستشفى، يأتي مسرعًا ليستفسر عما إذا كان شقيقه بينهم، بعدما اعتقله الاحتلال في 23 يناير/كانون الثاني 2024 عند حاجز عسكري قرب مجمع ناصر الطبي.
ويؤكد أن شقيقه كان يعمل سائقًا ولا علاقة له بأي نشاط، وأنه، وفق روايته، كان واحدًا من كثيرين اعتُقلوا عند الحواجز خلال الحرب.
يمر أكثر من عامين على اعتقال شقيق محمد، فيما لا تزال عائلته تنتظر أي خبر يطمئنها عليه.
يقول إن شقيقه معروف بأنه محتجز في سجن عوفر، وإن زوجته وأطفاله يعيشون حالة تشتت وانتظار، ولا يملك سوى الدعاء والأمل في أن يأتي يوم الإفراج عنه.
وهكذا حمل الأسرى الـ13 معهم من سجون الاحتلال حكايات ثقيلة عن أيام الأسر، لكنهم حملوا أيضًا فرحة الوصول إلى غزة، ولقاء الأهل، واستعادة الحرية ولو مؤقتًا.
وبينما احتضنت عائلاتهم أجسادهم المنهكة، بقيت عائلات أخرى واقفة في المكان نفسه، تبحث عن أسماء أحبائها بين القادمين، وتنتظر أن يأتي دورهم في يوم آخر.