قائمة الموقع

المواليد والإجهاض ووفيات الأجنة.. بيانات حصرية لـ"فلسطين" توثق استمرار نزيف الصحة الإنجابية في غزة

2026-08-30T17:16:00+03:00
ارتفاع في حالات الإجهاض في غزة
فلسطين أون لاين

تحت الحرب، تحمل الشابة نور السرحي في ذاكرتها سجلا ثقيلا من الفقدان؛ أربع محاولات حمل متتالية خاضتها في غزة، انتهت جميعها بالإجهاض، وخضوعها لثلاث جراحات متتالية لـ"تنظيف الرحم".

بدأت مأساة نور، حسبما تقول لصحيفة "فلسطين"، من أهالي حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، خلال الأشهر الأولى للعدوان؛ حيث انتهى حملها الأول بشكل مفاجئ وإجهاض طبيعي. وفي الحمل الثاني، وعقب إنذارات إخلاء إسرائيلية متتالية واستهدافات طالت البنايات المجاورة لبيتهم، كانت تخوض معركة يومية لتفادي استنشاق الغازات عبر ارتداء كمامة والجلوس في غرفة بلا نوافذ، قبل أن تنزح إلى شاطئ البحر.

هناك، ورغم المتابعة الطبية الدورية، كشف التصوير الشعاعي عن تشوه جنينها الأنثى، ففضّلت نور الاحتفاظ بها، قبل أن تُجهض وتُجري أول عملية تنظيفات جراحية.

لم تقف مأساتها عند ذلك؛ إذ شهد الحمل الثالث توقف نبض الجنين في الشهر الثاني، بينما لم يظهر النبض مطلقا في حملها الرابع بـ "توأم"، لتُضطر لإجراء عملية التنظيفات للمرة الثالثة.

ورغم أن الفحوصات الطبية والمناظير الرحمية أكدت مؤخرا عدم وجود أي مانع صحي لدى نور وزوجها، إلا أن هذا الفقدان المتكرر يقف شاهدا على ما يوصف طبيا وحقوقيا بالإبادة الإنجابية في غزة.

تُجسّد حالة "نور" الصورة الحية للبيانات التي تكشف عنها صحيفة "فلسطين"، والتي حصلت عليها بشكل حصري من وزارتي الصحة والداخلية في قطاع غزة، وتغطي الفترة من بداية مايو حتى 30 أغسطس/آب 2026.

وتظهر البيانات عدم استقرار المنحنى الديمغرافي واستمرار الانتكاسة الحادة في ملف الصحة الإنجابية.

هبوط مجدد يبدد "طفرة تموز"

وتظهر الأرقام الرسمية، أن إجمالي عدد المواليد الأحياء المسجلين في قطاع غزة منذ بداية شهر أغسطس حتى (30 أغسطس) بلغ (2,775) مولوداً حياً فقط، بحسب مصدر مسؤول في وزارة الداخلية، في تراجع حاد مقارنة بما تظهره بيانات مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة عن شهر يوليو الذي سجل (5,119) مولوداً، ليعود المنحنى الميداني إلى مستويات قريبة من شهري مايو (2,038) ويونيو (3,166).

وتُشير هذه البيانات إلى أن المجموع التراكمي للمواليد الأحياء خلال الأشهر الأربعة الأخيرة (مايو – أغسطس) استقر عند (13,098) مولودا، بمعدل شهري يبلغ نحو (3,274) مولوداً، وهو ما يعكس عجزاً تراكمياً بنسبة تبلغ نحو 20% مقارنة بالظروف الطبيعية التي كانت تسجل شهرياً بين 4000 و4200 مولود حي قبل الحرب.

ويأتي هذا التقرير استكمالاً للتحقيق الصحفي المدعوم بالبيانات الذي نشرته صحيفة "فلسطين" في يونيو/حزيران الماضي تحت عنوان "إبادة إنجابية.. أَجِنَّة لم تبصر النور في غزة"، والذي وثّق بدايات الانتكاسة الديمغرافية وارتفاع معدلات فقدان الأجنة جراء تداعيات الحرب والحصار.

حصيلة ثقيلة للإجهاض

في المقابل، يتوازى هذا التراجع التراكمي في الولادات الحية مع حصيلة ثقيلة في أعداد الأجنة التي لم تبصر النور؛ إذ تظهر التقييمات الإحصائية تسجيل (2,440) حالة إجهاض ووفاة للأجنة عند عمر حمل (24 أسبوعاً أو أقل) خلال الشهور الثلاثة السابقة (مايو، يونيو، ويوليو).

وجاءت حالات الإجهاض كالآتي: 931 حالة في يوليو و790 حالة في يونيو و 719 حالة في مايو من العام الجاري.

وتظهر البيانات السابقة التي كشفها تحقيق "فلسطين"، تسجيل 921 حالة إجهاض خلال شهر أبريل/نيسان 2026 وحده، ما يمثل 460 حالة إجهاض لكل 1000 ولادة، أي ما نسبته نحو 46%. كما تظهر تسجيل ستة آلاف حالة إجهاض خلال عام 2025 في غزة، إضافة إلى تسجيل 500–600 حالة إجهاض شهريًا خلال عام 2026، بارتفاع يُقدَّر بنحو 225% عن المعدل الطبيعي.

في المقابل، شهد شهر أبريل/نيسان 2026 انحدارًا كبيرًا في عدد المواليد الأحياء، إذ سجل 2004 مواليد فقط، بانخفاض يقارب 67% مقارنة بنوفمبر/تشرين الثاني 2025 الذي سجل 6076 مولودًا.

ولوحظ هذا التراجع تدريجيًا منذ بداية عام 2026، حيث سجلت وزارة الصحة 5210 مواليد في يناير/كانون الثاني، ثم 3433 في فبراير/شباط، و3233 في مارس/آذار، وصولًا إلى 2004 في أبريل/نيسان، فيما أعلنت وزارة الداخلية تسجيل 1701 مولود فقط في مايو/أيار من العام نفسه. 

عوامل متداخلة

وكان طبيب النساء والتوليد في مجمع الشفاء الطبي د. محمد الجدبة أرجع في التحقيق الذي نشرته "فلسطين" سابقاً، ارتفاع معدلات الإجهاض إلى مجموعة عوامل متداخلة فرضتها ظروف الحرب.

ويقول الجدبة، إن من أبرز هذه العوامل الصواريخ وما تحتويه من مواد، إلى جانب التوتر الشديد والصدمات النفسية التي تتعرض لها الحوامل، فضلًا عن المشقة الجسدية المرتبطة بالنزوح القسري، وقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، وحمل الأمتعة الثقيلة.

ويضيف أن تلوث المياه وتسرب مياه الصرف الصحي يؤديان إلى التهابات تناسلية وبولية قد تؤخر الحمل أو تتسبب في الإجهاض أو الولادة المبكرة، منبهًا كذلك إلى مخاطر تلوث الهواء والتعرض المستمر للدخان المنبعث من إشعال النار وغيرها من الملوثات.

ويؤكد الجدبة أن هذه العوامل لا تعمل بصورة منفصلة، بل تتداخل لتشكل بيئة حمل عالية الخطورة، تنعكس في ارتفاع معدلات الإجهاض وانخفاض عدد المواليد الأحياء. ويستدل على ذلك بما رافق موجة النزوح القسري التي فرضها الاحتلال على أهالي مدينة غزة بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي من ضغوط نفسية ومعيشية وصفها بأنها كانت "سيئة".

بينما يقرأ مدير مركز المعلومات الصحية بوزارة الصحة زاهر الوحيدي في التحقيق الذي نشرته "فلسطين" سابقاً، الأرقام الخاصة بالمواليد والإجهاض ووفيات الأجنة خلال الحرب كـ"نتيجة للإبادة الديمغرافية التي عمد إليها الاحتلال، فهناك إبادة مباشرة وهناك أيضًا إبادة إنجابية".

ويحذر الوحيدي من أن الانخفاض الكبير في عدد المواليد لم يسبق له مثيل في السنوات السابقة، مؤكدًا أنه انحدار وانتكاسة كبيرة فيما يتعلق بصحة الأطفال والأمهات.

وبين الأرقام وسجلات الفقدان الإنساني لشابات مثل "نور"، لا تُشير هذه البيانات المحدثة إلى مجرد تراجع مؤقت في المنحنى البياني، بل تكشف عن انتكاسة ممتدة في بنية الصحة الإنجابية بغزة.

اخبار ذات صلة